“هذه مذكرة قراءة استنادًا إلى كتاب “سقوط الجولان” وشهادات مؤلفه؛ تُستخدم لأغراض تحليلية داخلية ولا تُعدّ استنتاجًا نهائيًا.”
يأتي كتاب “سقوط الجولان” للمقدّم خليل مصطفى بريّز بوصفه نصًّا شهاداتيًا شديد الحساسية؛ فهو ليس مجرّد مذكّرات بعد معركة، بل محاولة لالتقاط اللحظة التي تحوّل فيها الارتباك القيادي إلى انهيارٍ ميداني واسع على الجبهة السورية في حزيران/يونيو 1967. يكتب المؤلّف من موقعٍ قريب من مركز القرار العملياتي—رئيسًا للاستطلاع في قيادة جبهة الجولان قبل 1963—ثم من موقع “الشاهد المُتّهم”: ضابطٌ يرى أن ما جرى لم يكن حتميّةً عسكرية بقدر ما كان صناعةَ قراراتٍ خاطئة وبلاغاتٍ مربكة هزمت الجبهة قبل أن تهزمها نيران العدو.
يرسم الكتاب لوحةً متراكبة الأبعاد: تضاريس الجولان المحصّنة، شبكة المواقع الأمامية، مفاصل القيادة والسيطرة، إيقاع البلاغات العسكرية، حركة المراكز، ومناورات التراجع. لكنّ عقدته الدرامية والعملياتية معًا تتكثّف في حدثٍ واحد: إعلانٌ إذاعي مبكّر بسقوط القنيطرة قبل دخول القوات الإسرائيلية إليها. هنا يضع بريّز أصبعه على ما يعتبره “جرمًا عملياتيًا”؛ إذ تتحوّل المعلومة الرسمية—في لحظة تماسّ ناري—إلى سلاحٍ ضدّ الروح المعنوية. فحين يسمع الجندي أنّ العاصمة الميدانية سقطت، تتداعى السلسلة: تفكّكٌ في وحدات المؤخّرة، ضغطٌ نفسي على قادة القطعات، وتحوّل الانسحاب التكتيكي إلى تراجعٍ كيفيّ غير منضبط.
لا يكتفي المؤلف بتشخيص أثر البلاغ الإعلامي، بل يوسّعه إلى منظومة القيادة نفسها: تضارب أوامر، تداخل سياسي وعسكري، نقلات متسرّعة لمراكز القرار، وغياب خطة تراجعٍ مرحلية تمسك بخطوطٍ ثانية وثالثة. بهذا المعنى، “سقوط الجولان” ليس حكاية “مدينةٍ أُعلنت قبل أوانها”، بل دراسة حالة عن كيف تُسقط أخطاء القيادة والسيطرة (C2) جبهةً كاملة حتى لو امتلكت تحصيناتٍ قوية ونقاط مراقبة فعّالة. هذه هي أطروحة الكتاب المركزية: الهزيمة صناعةُ قرارٍ أكثر مما هي حتميّةُ تفوّقٍ ناري.
قوّة الكتاب تنبع من قرب صاحبه من مسرح الأحداث: ضابط استطلاع يعرف شبكة المواقع، وأنماط الاتصال، ومزاج الجبهة. ولذلك تأتي صفحاته مشبعةً بأسماء التشكيلات والمواقع والبلاغات والساعات الحرجة، وبشذرات من الحوارات الهاتفية وإيقاعات غرف العمليات. لكن هذه القوّة نفسها تضع القارئ أمام مسؤولية الفرز بين مستويين:
– الوقائع القابلة للتحقّق: تسلسل الأوامر، مواقع الوحدات، توقيتات النداءات، حركة المراكز.
– الأحكام والاستنتاجات: تعيين المسؤوليات، تفسير الدوافع، و”قصدية” القرارات.
فالكتاب—على أهميته—يكتب من الذاكرة أكثر مما يستند إلى أرشفةٍ مرفقة (نصوص بلاغات، خرائط رسمية، سجلات اتصالات). وهذا يقترح على القارئ والباحث معًا منهجًا متوازنًا: نقرأه بوصفه شهادةً ميدانيةً محورية، ثم نُحاكم استنتاجاته على ضوء تقاطعٍ وثائقي مع أرشيف البلاغات الإذاعية، ومحاضر القيادة، والتغطيات المعاصرة، وأيّ سجلات عمليات أُتيح الوصول إليها لاحقًا. عند هذا التقاطع بالذات يتعزّز—في العادة—جزء كبير من فرضيّة المؤلّف حول الأثر الكاسر نفسيًا وعملياتيًا للإعلان المبكّر، حتى لو ظلّت “نية التخلّي” أو “المؤامرة” موضع جدالٍ يحتاج برهنةً أعلى.
ما يميّز “سقوط الجولان” أيضًا أنّه يربط بين لغة القرار وأخلاقيات الحرب: من يملك حقّ إعلان الوقائع الحسّاسة ومتى؟ كيف تُدار المعلومة القتالية داخل مؤسسات الدولة بحيث لا تتحوّل إلى عبء على المقاتل في الخندق؟ أين تنتهي صلاحيات السياسي وأين تبدأ ولاية العسكري في هندسة الانسحاب وإدارة الإعلام العسكري؟ إنّها أسئلة تتجاوز واقعة حزيران إلى ثقافة الحكم نفسها: بناء آليات تحقيق بعد الهزائم، محاسبة أصحاب القرار، وترسيخ قواعد تواصلٍ لا تفرمل المعركة وهي على أرضها.
وبين سطور الكتاب، تتبدّى مأساة الجندي الذي قاتل ضمن شروطٍ لم تكن عادلة: قيادة مرتبكة، قنوات اتصال مضطربة، وبلاغٌ يسبق الرصاصة. هنا يمارس المؤلّف نوعًا من “الدفاع الأخلاقي” عن الضباط والجنود، في مواجهة سرديةٍ رسمية تُسارع أحيانًا إلى تعليق الهزيمة على مشاجبٍ تقنية صامتة. في المقابل، لا يتردّد في تسمية المسؤوليات على مستوى القمة، بما يجعل النصّ اتهاميًا صريحًا بقدر ما هو شهاداتيّ.
من منظورٍ بحثي، تصلح هذه الصفحات لتدريس ثلاثة دروسٍ كبرى:
• أولًا، أنّ الانسحاب فنٌّ عملياتيّ لا يقلّ تعقيدًا عن الهجوم: يحتاج خرائطَ بدائل، إسنادًا ناريًا، جدولةَ انسحاب، وخطًّا إعلاميًا يضبط المعنويات.
• ثانيًا، أنّ القيادة والسيطرة ليستا عتادًا لاسلكيًا وحسب، بل هندسة قرارٍ يُصاغ بلغةٍ واحدة في الزمن الصحيح، لأنّ التضارب يساوي تكليفَ العدوّ بعملٍ يكفي خطابٌ واحد لإنجازه.
• ثالثًا، أنّ الحرب روايةٌ أيضًا؛ وما يُقال على المذياع قد يغيّر خرائط الأرض بقدر ما تفعل المدفعية.
لا يمكن لهذا النوع من الكتب أن يرضي كلّ قارئ. فالباحث الأكاديمي سيطالب بملاحق وثائقية ثقيلة، والقارئ السياسي سيجد فيه ذخيرةً للمساءلة، والمؤسسة العسكرية—لو أرادت التعلم—ستقرأه كمرآةٍ مؤلمةٍ لثغراتٍ قابلة للترميم. لكنّ قيمة “سقوط الجولان” التاريخية أنّه فتح مبكّرًا ملفًّا حاولت رواياتٌ كثيرة إغلاقه: هل كانت هزيمتنا قدريّة؟ أم أنّ قراراتنا ساهمت في صناعتها؟ بالنسبة لخليل مصطفى بريّز، الجواب واضح: البلاغ أخطر من الطلقة إذا خرج في الزمن الخطأ من الفم الخطأ.
يبقى أن يُقدَّم الكتاب إلى القارئ المعاصر بلا مبالغةٍ ولا تخفيف: شهادةٌ من الداخل تضع أصابعها على مفاصل محدّدة للانهيار، وتستفزّنا—عن حق—لإعادة بناء السردية على أساسٍ وثائقي متين. وإذا كان التاريخ ساحةً لصراع الروايات، فإنّ أنبل ما نفعله أمام روايةٍ كهذه هو تمكينها من خصومٍ أقوياء: الوثيقة، والأرشيف، والتحليل البارد. حينها فقط ننتقل من سردية الألم إلى معرفةٍ قابلة للتطبيق: كيف تُدار الجبهات، وكيف يُصان القرار، وكيف تُمنع الهزائم المقبلة من أن تولد في الأثير قبل أن تولد على الأرض.


