الشاعر السوري عمر الشيخ: أكتب كي لا أستقر… فالاستقرار يعني الموت!

ملاحظة هامة للقراء الكرام:
هذا الحوار أُنجز بالتعاون مع الصديق والزميل الصحفي أحمد صلّال، وكان من المفترض أن يُنشر كاملًا في جريدة الثورة الحكومية بدمشق. إلا أن الصحيفة عمدت، وللأسف، إلى حذف ما يقارب 74% من محتواه دون الرجوع إليّ أو إلى الزميل المحرر، ما شكّل لي صدمة كبيرة، خاصة وأن هذا الحوار يُعد أول إطلالة لي بعد سقوط نظام الأسد، ومن داخل سورية، وفي صحيفة رسمية. ولأهمية هذه الوثيقة في سياقها السياسي والإعلامي، وللأمانة تجاه ما كُتب وسُئل وأُجيب عنه، أعيد هنا نشر الحوار كاملًا كما أُعدّ. أشكر الزميل أحمد صلّال على جهده التحريري، وأعبّر عن عتبي الشديد على الصحيفة لما بدر منها من تصرف غير مهني، رغم الإخراج الجميل الذي ظهرت به النسخة الورقية، والتي أُرفق صورة منها في نهاية هذا النص.
عمر الشيخ

نص الحوار كاملاً:


“لا أكتب لأنقل تجربة، بل محاولاً النجاة منها”
” القصيدة عندي ضربة روح”
“الموت هو أفضل درس في الحياة”

حوار: أحمد صلّال
ولد في دمشق، لكنّ البحر المتوسط أعاد تشكيله. في لارنكا، المدينة القبرصية التي لجأ إليها منذ سنوات، وجد عمر الشيخ المسافة الكافية ليصغي إلى صوته الداخلي، ويفكّك، بجمالية نادرة، ذاكرته المشحونة بالأسئلة والمنفى والخوف. ما بين مدينتين، وخطَّي اشتباك: الشعر والسياسة، يكتب كمن يُمسك بجمرته الخاصة.
عمر الشيخ شاعر وكاتب صحفي سوري، من مواليد 1987، درس التقنيات الإلكترونية، لكنه انحاز مبكراً إلى الأدب والمسرح والإعلام، فكتب منذ عام 2007 في عدد من الصحف السورية والعربية، منها “النهار اللبنانية”، وعمل في التلفزيون السوري بين عامي 2010 و2015، إلى أن اضطر لمغادرة البلاد إثر تهديدات أمنية مباشرة بسبب آرائه. يقيم منذ أواخر عام 2015 في لارنكا القبرصية، حيث يواصل عمله الصحفي متعاوناً مع منصات مثل “صالون سورية” و”العربي الجديد” و”مسبار”، كما يعمل على تحقيقات استقصائية ومشاريع بحثية سياسية عن الشرق الأوسط.
ترجم عمر الشيخ نصوصاً شعرية من اليونانية والقبرصية، ونشر أربع مجموعات شعرية: سمّ بارد (2008)، متى أصبح خبراً عاجلاً؟ (2009)، مباشر من جزيرة المونتاج (2014)، وقبل أن تمتلك الأرض (2019). في شعره، تمتزج سرديات الثورة والمنفى بالحب والغياب والقلق الوجودي، وتتكثف ذاكرة المدن في صور قاسية وشفيفة معاً. لغته منحازة للانكسار النبيل، وشهادته الشعرية لا تعرف التسويات.

هذا الحوار يفتح نافذة على تجربة عمر الشيخ، الشاعر الذي لا يزال يرى في الشعر فعلاً لتحرير الداخل، ومقاومةً لا تخمد حتى في أوحش المنافي:

  • كيف جاءتك رغبة ارتكاب كتابة الشّعر؟
  •  لم تكن “الرغبة” هي البداية. ولم يكن “الارتكاب” فعلاً أقترفه، بل الشعر هو من ارتكبني.
    كلمة “ارتكاب” تلمع في السؤال كاتهام، كمن يُحاكم على خروجه عن مألوف العائلة أو المجتمع، وربّما كان الأمر كذلك حقاً. لكنني لم أختَر الشّعر كما يُختار طريق مهني، بل اختارني هو، وانتشلني من ضياع محتمل في التقنيات الإلكترونية ومحالّ بيع الثياب، والمهن التي لا تشبهني. في سن الثالثة عشرة، كنت أقرأ عمر بن أبي ربيعة ونزار قباني وعمر الخيّام، وكانت كلماتهم تحاورني بصوت خافت، تدفعني إلى الثورة والرفض، وتعلّمني أن الذات لا تُكتشف إلا عبر الجَمال والتمرد. تكوّنت لغتي في تلك الحوارات الصامتة، وتشكل وعيي الجمالي في الظلّ، قبل أن أكتبه علناً في ديواني الأول “سمّ بارد” عام 2008. كانت تلك المجموعة الشعريّة خروجاً خجولاً إلى المشهد الثقافي السوري، بشاعر لا يعرف أحداً، لكنه يعرف نفسه بما يكفي ليغامر بصوته، وارتباكه، وأسئلته التي لم تكن يوماً تقنية.
  • “سمّ بارد” هذا هو اسم مجموعتك الشعريّة الأولى، كنت قد طبعتها على نفقتك كما طبعت بقيّة مجموعاتك، وكان ذلك عام 2008، محاولاتك الشعريّة الأولى في هذا الكتاب، ما هي إلا تلك الخطوط الضوئية الممتدة بين خيالك وأفكارك، كأنما بدأت، ترتب ما يمكن من صراخ واقتراح حول اللحظات الشعريّة الضاربة في حواسك؛ حدثنا أكثر عن ذلك؟
  • دعنا نبدأ من البيت. كان مناخ الأسرة ساماً بكلّ معنى الكلمة: بيت كبير، مزدحم بأجساد لا تملك الوقت أو العاطفة، يعيش تحت خطّ الفقر، في حيّ عشوائي على أطراف دمشق. السمّ الذي قصدته في عنوان المجموعة لم يكن سوى تلك الصرخة الجافة الخارجة من حنجرة شاب عشريني، يريد ألا يُطحن في ماكينة الفقر السوري؛ ماكينة البيت، وانعدام الحبّ، وغياب التوجيه الذي يمكن أن يفهم مشاغلي أو يحترم نموي الطبيعي.
    كنت فتىً يريد فقط أن يعانق فتاة دون أن يُضرب، أن يتأخر في اللّيل دون أن يفتح الباب على عاصفة من الاتهامات والغضب، أن تفوح منه رائحة الحزن فيُصغى له، لا أن يُسكت. كنت أريد من يسمعني، من يراني. كنت بحاجة لأن أقول شيئاً، أي شيء، كي لا ينفجر قلبي.
    في هذا السياق، كان السمّ البارد صديقي الوحيد. ضوءاً صغيراً ينتشلني من كلّ ذلك الصخب اليوميّ، من الحارات التي تستهلك الإنسان وتعيد إنتاجه ككائن خاضع، لا يريد شيئاً سوى “السترة” والابتعاد عن “السياسة” و”الوجع”.
    كان الشّعر، إذاً، أول تمرين لي على التفكير. أول دفعة هواء نقية داخل هذا الاحتباس. بدأت أكتب وأنا خارج لتوي من المعهد المتوسط للتقنيات الإلكترونية، محاطاً بأسلاك وعناصر دقيقة، لكن قلبي كان يهتف لأشياء أخرى: للغضب، وللصراخ، وللحب، ولأن أجد لنفسي مكاناً في هذا العالم الذي لم يصغِ إليّ يوماً.
  • تزعم أنك وُلدت شاعراً، وأن القصائد الأولى كانت كافية لتكشف لك طريقة خاصة في رؤية العالم والتفاعل معه. ما الذي تعنيه بذلك؟ وكيف منحتك القصيدة تلك المعرفة المختلفة عن ذاتك وعن الواقع؟
  • التواصل يبدأ من الحاجة إلى لغة. قد تكون مكتوبة أو مسموعة، بصرية أو حتى بالإشارات، لكنها تظلّ وسيلة الإنسان منذ الأزل لفهم محيطه والانتماء إليه. بالنسبة لي، كان الشّعر هو اللّغة الأقل قسوة، والأكثر شفافية، لفهم الأشياء. منذ بداياتي، كنت ألتقط كلّ ما حولي شعريّاً، أستقبله كصورة داخلية لا كواقع خام، قبل أن أبدأ لاحقاً بضبط هذه الاستقبالات وتوجيهها نحو نصّ مكتوب. الشّعر بالنسبة لي ليس حالة دورية أو مهارة تُستدعى، بل لحظة تنبع من خصوصية التجربة وقلقها. وتجاربي، بما فيها من اضطراب وتخبّط، كانت تُفرز قصائد تشبهها: غير مستقرة، غير نهائية، تبحث عن شكلها وهي تُكتب.
    حين أقول إنني وُلدت شاعراً، لا أعني امتلاكاً سابقاً للمعرفة، بل وعياً مبكراً بأن الشّعر وسيلتي الوحيدة لتوسيع هذه المعرفة. هو أداة لاختبار الحياة، لا لامتلاكها. كلّ يوم أتعلم، وتعلّمني الحياة درساً ما -قد يكون شعريّاً، أو حيويّاً، أو ذاتيّاً… وربّما كلّ ذلك في جملة واحدة. هذا هو الشّعر كما أفهمه: ليس بناءً ديناميكياً ولا نظماً متقناً، بل حدثاً داخلياً يتيح لي أن أتواصل مع الحياة من منطقة لا تفسَّر، بل تُحسّ فقط. القصيدة التي تخرج من منطقة ذاتية صافية، تظلّ أصدق أنواع التواصل مع العالم. لا تشرح، لكنها تقول. لا تفسّر، لكنها تُلمس. وفي ذلك يكمن جوهر الشّعر الذي أعرفه.
  • تحرّر منذ الصباح تلك النصوص الأولى، تلك العثرات الحسّية التي فيها من الصور والذكريات والثرثرة والمغامرة، ما يُضحك ويُبكي، تمشي معها جملةً تلو الأُخرى، وتحذف أشياء منها، كأنها منحوتةٌ أولى لم يُحسن صاحبها تشكيل خصوصيّتها. وبكثير من الحرص، ستحاول – على بساطتها وثقافتها الأولى – ألا تُضيف، بقدر ما تتشبّث بالشذرات التي علقت من أصوات الآخرين أو موروثك الفكريّ آنذاك. كيف ترتكب هذا الفعل الشّعري؟
  • إن مراجعة الأفكار والنصوص في العمل الكتابي هي عادة اكتسبتها بحكم عملي الصحفي، الذي منَّى الشّعر عليَّ به. فبسبب فشلي في معظم المهن في سورية، احترفت الكتابة الصحفية بدعم بعض الأصدقاء المتمرسين، وصرت أمزج النفس الأدبي في عملي الصحفي، سواء كان سياسياً أو ثقافياً.
    ومن هنا، تكمن المسؤولية في إنتاج نص يخصني، فيه أقلّ ما يمكن من الأساليب التي يتأثر المرء بها بحكم القراءات والحوارات، وانتقال التعابير بالمشافهة. لذلك، حين أعود لترتيب النصوص بعد تشكيلها الأول، لا أكون “عمر الشّاعر”، إنما “المحرر الأدبي” الذي لا يترك حشواً ولا ثرثرة غير شعرية في القصيدة. أحاول أن أخلّص النص، قدر الإمكان، من الكلام العادي، لأحفظه داخل الصورة الشعريّة، وأحميه من الوقوع في فخ الكتابة بأصوات الآخرين، التي قد تتسلل دون انتباه، بفعل الانغماس في الضربات الشّعرية التي تهبط على بنية القصيدة.
    أنا أكتب قصيدة النثر التي تمثلني، وقد تأثرت نوعاً ما بشعراء قصيدة النثر في سورية، مثل منذر مصري، عادل محمود، رياض الصالح الحسين، ودعد حداد. تأثرت بهم في المعنى الثوري للكتابة. أحبّ تجاربهم التي تسعى نحو الخصوصية، أكثر من اكتراثها باللحاق بالشكل الرائج للكتابة الشعريّة. هذا ما قصدته بالتخلص من “مشاغل” من أحبّهم شعريّاً، لأنهم، حتى حين صاروا أصواتاً خاصة، وكانوا -بحسب قولك، ومثلي ربّما- قد ارتكبوا تلك المراجعات الضرورية، ليصير النصّ ملكاً لصوتهم تماماً.
    ما تعلمته هو أن النص لا يصير نصّك، إلا إذا تجرّأت على مراجعته، ونزعته من تحت عباءة من تحبّهم شعرياً. لا يكفي أن نحبّ، بل علينا أن نتحرّر حتى من تأثير من نحبّ، لنكتب ما يخصّنا فقط.
  • عنوان ديوانك الثاني “متى أصبح خبراً عاجلاً؟” يبدو كصرخة وجودية، ويطرح سؤالاً عن اللحظة التي تتحوّل فيها الذات إلى حدث. في قصائدك، نرى تلميحاً دائماً لاكتشاف النفس، ولكن من زاوية مشوّهة أو مكبّرة، كأنك تنظر إليها في مرآة محدبة. هل يمكن أن تحدّثنا أكثر عن هذه التجربة؟ كيف ترى ذاتك في قصائد هذا الديوان؟
  • عنوان ديواني “متى أصبح خبراً عاجلاً؟” ليس سؤالاً إعلامياً بقدر ما هو تساؤل وجودي. في لحظة ما، شعرت أنني لم أعد أملك ذاتي، وأن تلك الذات مهدّدة بأن تتحوّل إلى خبر، إلى حدث خارجي، يفقد عمقه، ويتحوّل إلى صورة تمرّ سريعاً على شاشة، بلا أحد ينتبه لما وراءها. في هذا الديوان، أكتب عن الذات كما أراها من الخارج، لكن عبر مرايا مشوّهة: مرآة التلفزيون، مرآة العائلة، مرآة الخوف. أحياناً تكون هذه المرآة محدّبة تضخّم داخلي، وأحياناً مقعّرة تُهشّم ملامحي وتعيدني كتفصيل مهمل. في هذا الديوان لا أرى نفسي بوضوح، بل كأنني “أضيع مني، لا أجد وجهي لأنه لا يجدني”، أكتب عن ذات تتقشّر، عن وحدة لا يمكن تضميدها بالكلام، بل بإشارات من الشّعر تنبع من الداخل المشوّه، الحاد، والمتصالح مع عزلته. الذات هنا ليست بطولة، بل ظلّ باهت يتلمّس صورته على زجاج الليل، يراقبها وهي تتمزّق ثم تلمع. لذلك قلت أيضًا: “أنا عابرٌ في هذه الدنيا، لستُ لها، ولا هي لي”، وكأن الشّعر وحده هو الذي احتفظ لي بصورة مخلصة، وإن كانت مشوّهة، عن نفسي.
    أما في لحظات الغياب الكامل، فأقول: “حزينٌ حالي ولا أشعر بالحزن”، لأن اللغة نفسها، برغم جنونها، لا تكفي أحياناً لتسمية الشعور. في هذا الديوان، أنا أختبر علاقتي بالشعر كفعل نجاة، لا بوصفه تجميلاً للعطب، بل بصفته الصيغة الوحيدة الممكنة للعيش داخل الخراب دون أن أفقد القدرة على الضحك أو الكتابة أو الانفجار.
  • يمكن تعريف تقنيتك الشعرية بما ليس فيها؛ إنها غير مألوفة، غير تقريرية، غير مُقفّاة، غير عاطفية، وغير سهلة المنال؛ هل تتفق مع هذا الطرح؟
  • أظن أن هذا الطرح يقترب كثيراً من طبيعة ما أكتب، ولكن من الخارج فقط. ما يُقال عن شعري بأنه غير مألوف، أو غير عاطفي، أو غير تقريري… قد يكون انعكاساً لبنية النص، لا لمحتواه. لأن ما أفعله في القصيدة ليس هروباً من التعبير، بل بحث عن صوت مختلف للتعبير. ليست لديّ “تقنية” جاهزة، ولا أتعمد الاختلاف، لكني أنفر من التكرار، ومن القول السهل.
    أنا ابن مدينة لها نبرة خاصة، وأحمل في لغتي ما تبقى من أهلها، من وجوههم وكلماتهم ونكاتهم المرة. لهذا، كما قال أحد الأصدقاء، فإن شعري يكتب “قصيدة النثر باللغة الشامية الخالصة”، لا على مستوى اللهجة، بل في المزاج والنَفَس. ومع الوقت، فهمت أن خصوصيتي لا تأتي من صنع يدي، بل من صدقي مع ما يشبهني.
    كتب الشاعر راسم المدهون مرة عن ديوان “متى أصبح خبراً عاجلاً؟”: “ينتمي عمر الشيخ إلى الجيل الأحدث في قصيدة النثر السورية، لكنه يقف في مكان قصيّ، يطالع منه تفاصيل وينشغل بهموم لها نكهة مغايرة”. ربما هذا المكان القصيّ هو ما أبحث عنه في كلّ نصّ. أكتب كمن يعثر على لغةٍ تتشكل لحظة الكتابة، لا تُستعار من قوالب سابقة، ولا تنتمي إلى تيار بعينه.
    التقنية في شعري، إن وجدت، فهي ثمرة الشكّ المستمر. لأن كلّ قصيدة عندي تفترض أن ما قبلها لم يعد صالحاً. ولهذا، لا أملك إلا أن أعيد اختراع صوتي في كلّ مرة، وأن أظلّ قريباً من الخطر، من التوتر، من الحافة التي يتكوّن عندها الشّعر حين يتخلى عن كونه نصاً، ويصير عيشاً تماماً.
  • يجد القارئ في ديوانك الثالث “مباشر من جزيرة المونتاج” انتقالات سريعة من موضوع إلى آخر، ومن مشاهدات عامة إلى استعادة ذكريات شخصية، والتي طالما ميزت أعمال الشاعر عمر الشيخ؛ كيف تجسد التزاوج بين اللحظة الحسية الخاصة والاستعادات العامة؟
  • أعتقد أن هذا التداخل بين الخاص والعام، بين اللحظة الحسية الحادة والذاكرة المتشظية، ليس تقنية تعمدتُ استخدامها، بل هو بنية شعورية رافقتني منذ بداياتي. في “مباشر من جزيرة المونتاج”، لم أكن أكتب من مسافةٍ عن الأشياء، بل كنت منغمساً داخلها حدّ الالتباس. القصائد تتجاوز الذاكرة، فعل عيشٍ ثانٍ. الكتابة هنا لم تكن وصفاً لما جرى، بل محاولة لترميم ما لا يُرمَّم. حين أكتب عن مكالمة في التاسع من شباط، الساعة 7:36 مساءً، فهذا ليس توثيقاً، بل طريقة لاقتحام زمنٍ كان يظن أنه انتهى. وحين أقول: “أفرط إلى رذاذٍ / كحزّ ليمونة طحنها الشاكوش”، فأنا لا أبالغ، بل أستعيد كيف تشكّل الحنين في جسدي وقتها، بالصوت، والرائحة، والذبذبة، والحميمية. ما أسعى إليه ليس الحنين في معناه الشائع، بل استدعاء الجسد في الزمن. ولهذا، فالانتقال بين الشوارع، والذكريات، والأمكنة، واللهجات، وحتى الأجهزة التقنية (من LG إلى الموبايل إلى كرت الصوت) هو انتقال عضوي، لأن الشّعر عندي لا يفصل بين ما هو داخلي وما هو اجتماعي أو بصري. المشهد الحسي يولد غالباً من حدث شخصي جداً، لكنه لا يتوقف عنده، بل يوسّع مجازه ليطال القارئ ويجذبه إلى مشهد أكبر من ذاتي الضيقة. لذلك كثيراً ما يشعر القارئ أن القصيدة عندي تبدأ من لحظة حميمية جداً، لكنها لا تبقى أسيرة هذه الحميمية، بل تتحول -عبر التوتر اللغوي والذاكرة المُركّبة- إلى حالة عامة، إلى شكل من أشكال فهم العالم أو الغرق فيه. في النهاية، أنا لا أكتب لأنقل تجربة، بل محاولاً النجاة منها.
  • تقول في ديوانك الأخير “قبل أن تمتلك الأرض: قلت للجرح أن يبتعد عن المقبرة/ ثمّ قلت لنفسي: هل أحدّثني؟/ الجرح لا يسمع، إنّه يبتلع العالم”. هذه اللغة القاسية الممتلئة بالموت والدم والدخان تكاد تكون لغة موحّدة للشعب السوري بكامل أطيافه اليوم؛ عمر الشيخ كيف ألقت الثورة السورية بظلالها الشعرية عليك؟
  • صدر ديواني “قبل أن تمتلك الأرض” عام 2019، وكان في دمشق، بين يدي قراء يعيشون تحت سطوة نظام لا يرحم، بينما كنت أنا الشاعر منفياً في لارنكا، على الضفة المقابلة من المتوسط. المسافة كانت جغرافية فقط، أما ما كتبته فكان امتداداً لما أعيشه وأتنفّسه. الثورة السورية تجلّت في القصائد كقوة محرّرة، لا كموضوع خارجي، بل كشرط داخلي دفع اللغة إلى أقصى احتمالاتها. كنت أكتب بحذر في بداياتي، أُخفي صوتي داخل النص، وأراقب كلماتي كي لا تفضح ميلي إلى الغضب أو الحنين. مع آذار 2011، تغيّرت علاقتي بالشّعر. بدأت القصيدة تنبض بإيقاع الشارع، وصار حضور الثوّار في “نهر عيشة” و”الميدان” يستفز تلك المناطق المخدّرة في داخلي، فأُطلق اللغة من رقابتها الأمنية. كتبت داخل سورية، تحت غطاء عملي في التلفزيون السوري، أتنقل في الشوارع وأحاول فهم المسار الشعبي حتى حانت لحظة المغادرة من بيتي في جرمانا حيث داهمني الخطر، ثم واصلت المغامرة من قبرص بجرأة أوضح ورؤية أكثر نضجاً.
    قصيدتا “هوامش عامة جداً للجحيم” (2011) و”ليصطادوا أنفسهم الهائمة” (2013) تعكسان هذا التحول الجوهري. الأولى جاءت كأنها اعتراف مكتوب في الهزيع الأخير من الليل، والثانية كنداء أخير لمن تبقّى. نُشرتا لاحقاً في الصحافة، وضُمنتا في ديواني الخامس الذي ما يزال ينتظر فرصة للنشر. الكتابة كانت بالنسبة لي مساحة صراع، وليست مهرباً. في المنفى كتبت المقال السياسي، وانفتحت لغتي على وضوح جديد، بينما ظل الشّعر مساحة لمواجهة جديّة العالم وقسوته، للحفاظ على رهافة المعنى في زمن الحطام. الثورة فتحت اللّغة كما فتحت الأسوار، وكسرت ترددي كما كسرت أصنام الخوف. كلّ ما كتبته كان موجّهاً إلى سورية، عنها ولها. حين سكت كثيرون، شعرت أن صوت القصيدة يمكنه أن يسجّل لحظة تاريخية تُدفن فيها الأصوات عمداً. فكتبت. لا من أجل الرثاء، بل من أجل الذاكرة. “قبل أن تمتلك الأرض” هو دفتر تلك السنوات، كأنني وضعت فيه ما لم أستطع قوله وجهاً لوجه. ليس تأريخاً، بل محاولة للنجاة من الفقد، وللاحتفاظ بشيء من الأمل داخل تلك الجملة التي لم تنتهِ بعد.
  • عمر الشيخ مختلفاً عن الشعراء الآخرين الذين هم في عمره ومكانته؛ كيف جسدت هذا الاختلاف؟
  • أعتقد أن ما يصنع الاختلاف هو التجربة الشخصية وحدها، لا شيء سواها. لم أكتب يوماً لأُقنع أحداً أن هذه هي ماهية الشّعر، أو أن ما عشته يؤهلني لأدوّن موقفاً أو وجعاً. كنت أقنع نفسي أولاً، وأراجع محدداتي الجمالية التي نادراً ما تعتمد على المقارنة أو الرجوع لما قيل في التاريخ. من يعلّمنا كيف نكتب الشّعر؟ لا أحد. ومن يستطيع أن يتلمذنا لنكتب قصيدة حقيقية؟ لا أحد. وهذا “اللا أحد” هو، بالنسبة لي، التجربة الحية: تلك التي لا يمكن إلا لصاحبها أن يخوضها بكل ما فيها من صدق وعفوية وحرية.
    في عالمٍ لا يترك لنا كثيراً من المساحات لنكون أنفسنا، وحدها “أناي” الصلبة، الساعية نحو الحلم والثورة، هي التي قادتني إلى منطقتي الخاصة في القول والتعبير. لهذا لا أخضع للكتابة كمهمة دورية أو نظام محدد. القصيدة عندي ضربة روح، لا توقيت لها. قد تولد من صورة في المنام، أو لحظة أمام المرآة، من عناق، أو من خسارة: رحيل أبي، غياب أمي، أو موت أخي. كلّ هذه اللحظات تؤكد لي أن الموت هو أفضل درس في الحياة، لأنه يذكّرني دائماً ألا أؤجل شيئاً، ولا أضيع الوقت في التأمل البارد. فتصير القصيدة تأملاً حيّاً: من لحم ودم وتجربة وانكسارات. أنا لا أسعى لأن أكون شاعراً شبيهاً بأحد. أسعى فقط لأن أكون أنا، بكلّ ما عشته وما شعرت به. التجربة التي أعيشها هي نصي. ملايين البشر يحبّون بطريقتهم الخاصة، ويفهمون الشعر بطريقتهم أيضاً. وما أتعسه من شعر إذا امتلأ بأصوات الآخرين -أعني هنا الأسلوب- وكان خالياً من روح صاحبه. الشّعر، كما أفهمه، هو لحظة صدق نادرة مع الذات، قبل أن يكون موقفاً تجاه العالم هو الصوت المتقطع للروح أمام العيون وعلى مسامع الناس بكل ما فيها من تعب، وحزن، وجمال، وأمل.
  • كنتُ مُنجذباً إلى المدن الكبيرة مثل دمشق، وذلك لأنك عِشت طفولتك هناك؛ حدثنا عن طفولتك؟
  • وما زلت منجذباً للعاصمة التي وُلدت فيها، في البرامكة، قرب وكالة سانا، داخل مشفى الأطفال. كان جبل قاسيون يحدّق بالمدينة كلّ يوم، دون أن يحمل لي اعتباراً، وكأن خوذ الجنود التي تكلّله كانت تفرض طغياناً عسكرياً حتى على الأفق. في هذا المناخ السوري المشبع بالخوف، بدأت أعي محيطي الاجتماعي وأنا لم أبلغ الثامنة بعد. كنتُ طفلاً منشغلاً بالأسئلة، أسئلة وجودية وأخرى ذهنية كانت تُبعدني عن عالم الحارة وتقرّبني من اللغة. أردت أن أفهم، أن أعرف، أن أزيل الاستفهام عن الآخر، وأن أسحب الهيبة عن السلطة. بهذا الحافز بدأت رحلتي نحو الشعر.
    نشأت في حيّ “نهر عيشة”، أحد أحياء دمشق الشعبية، ودرست في مدرسة “أبي يوسف الكندي”، وهناك قرأت بشغف نصوص عمر بن أبي ربيعة وبشار بن برد. كنت أعزل نفسي عن جوّ البيت، وأتردد كثيراً قبل أن أشارك في لعب الحارة. وحين وصلت إلى سن الخامسة عشرة، كنت قد قرأت المعلقات وكتب نزار قباني كلها، وشعر عمر الخيام، وعشرات الكتب الشعرية، وكنت قد درست في اعدادية “عزة حصرية” في حي الميدان، حيث كنت أذهب مشياً على الأقدام كل يوم وكان هذا أول تماس فردي مع الشارع ومراقبة التفاصيل.
    الشعر جاء من القراءة أولاً، ومن إحساس عميق بأن هناك “لعبة أخرى” أكثر جدّية وجمالاً من اللعب في الشارع. حسمت أمري باكراً: سأكون كاتباً صحفياً علناً، وشاعراً سراً. ولماذا في السر؟ لأن المجتمع من حولي لم يكن يعترف بالشّعر، ولم يكن يرى فيه سوى هامش من الحلم، في حين كانوا يريدوننا جنوداً مطيعين في خدمة النظام، لا في خدمة البلد. لهذا السبب كان الشّعر هو بلدي، وسورية لغتي. كبرت سوريّاً بهذه الروح، وتكوّنت كما أنا اليوم: كاتب ربما، شاعر على الأرجح، وصحفي أنجبه الشّعر السوري الجديد.
  • يقول تي.اس.إليوت: «الشعراء غير الناضجين يقتبسون، الشعراء الناضجون يسرقون. هناك شعراء يُشوهون ما يأخذونه، والشعراء الجيدون يُحسنون ما يأخذون، أو يجعلون منه شيئًا مُختلفا». عمر الشيخ أنت من أي نوع من الشعراء هؤلاء؟
  • التصنيف بحد ذاته يجعلني أشعر بالضيق. لا أعرف من أي الشعراء أنا، ولكني متأكد من أن ما أحاول كتابته هو شيء يشبهني بقدر توتره الطاعن في عالمي، بقدر احتماله لتفاصيل حياتي، لأسماء أماكني، وللأشخاص الذين مرّوا بي. يشبهني كما يشبه قلقاً قديماً قابعاً في زوايا الحارات المجهولة، وصور الإقامات المنتهية الصلاحية، وطبعة الوجع السوري التي لا تفارقني، المكلل بالخوف والمنفى.
    إذا كان ثمة تصنيفٌ قريبٌ مني، فهو أنني لا أستقر على تصنيف. الاستقرار بالنسبة لي هو الموت. وأنا، حتى الآن، ما زلت حيّاً: أكتب، وأتغير، وأتجدد؛ على الأقل في اللغة، في القصيدة، في النص. لم أمت بعد، وحين أمضي، ربما سيجد الأصدقاء والكتّاب تصنيفاً يجمعون فيه ما كتبت. أما الآن، فأنا فقط أعيش القصيدة وهي بلا قيود التصنيف تعيش كما أعيش.
  • بماذا ترتبط القصيدة عندك، بالدهشة أم بالتأمل؟
  • رغم اتساع السؤال، سأحاول توضيح صورة كلا المفهومين كما يظهران في النص الذي أكتبه. الدهشة عندي تنشأ من صدام المفردات بصور غريبة وغير متوقعة، من مزاوجة بين الماضي والتاريخ، وبين الحاضر والخيال. إنها تحاول تكثيف الإيقاع دون الانشغال بتصحيح المسار، كي لا تغرق في فائض المعنى.
    أما التأمل، فهو أقرب إلى الفلسفة، أستخدمه في فهم العالم لا في شرحه. في الشّعر، تهبّ الصورة قبل كلّ شيء، تحاول أن تُشكّل روح القصيدة من خلال مفرداتي، متأثرةً بشدة الحالة، وبقربها أو بعدها عن وجدان الناس.
    أظن أن القصيدة عندي ليست محكومة بمعيار واحد، بل يرسمها كلّ قارئ على طريقته. أمّا بالنسبة لي، فأراها توليفة: دهشة وتأمل، صورة ولحظة، وأحياناً نافذة صغيرة لا ترى منها سوى سطوع شمس حارقة لثواني، قبل أن تقذفك نحو هاوية الصوت، لتفتش عمن رحلوا، أو من سيمرون بعد قليل، من ضحايا الحروب والرسائل الناقصة التي سحقها حنين كاسر.
  • كيف ترى علاقتك بالتراث العربي؟ وبأي طريقة تعاملت معه في شعرك؟ هل استفدت منه أم حاولت تجاوزه لتكتب تجربتك الخاصة؟
  • التراث بالنسبة لي ليس مجرد مخزون لغوي أو فني، بل مرجعية معرفية تساعدنا على فهم ما جرى في تاريخنا، خاصة لفهم الصدمات المتراكمة في منطقتنا. أتعامل مع التراث باعتباره مجالاً للتأمل، وللاستفادة من الآليات التي أنتج بها أسلافنا أدبهم، لا بالضرورة من أجل تكرار تلك النتائج أو استعارة لغتهم.
    قرأت بعضاً من أمهات الكتب العربية للجاحظ وابن رشد وابن الجوزي، واطلعت على آداب أخرى غير عربية، كنت مأخوذاً بالفلسفة اليونانية كثيراً فقرأت سقراط وأرسطو، أحببتُ تلك العوالم، لكنها لا تضيف الكثير لنصّي على مستوى اللغة أو الأسلوب. نحن اليوم نعيش زمناً مختلفاً تماماً، لغوياً وتقنياً ومعرفياً. لا يمكنني أن أكتب بلغة غارقة في البلاغة بينما يعيش العالم تحت وقع الذكاء الصناعي والسرعة الرقمية. التراث جميل كأفق، كذاكرة، لكن القصيدة اليوم تحتاج أن تنتمي إلى زمنها وصاحبها الذي لا زال على قيد الحياة ولم يصبح تراثاً!
    أحب أن أقف أمام التراث بتواضع التلميذ لا برغبة في الاقتباس. أتعلم من آليات البناء والجمال، لكنني لا أستعير الأشكال الجاهزة. ما أكتبه اليوم قد يصير تراثاً يوماً ما، مثله مثل الشّعر السوري الحديث الذي نحاول من خلاله أن نحافظ على جمالية الحياة اليوم وسط كل هذا الإرث من الدمار.
  • هل حقق الشاعر عمر الشيخ شيئاً خاصاً به بالخاص، وعموماً هل حقق جيلك شيئاً خاصاً به، أيضاً؟
  • أظن أن ما حاولت إنجازه كشاعر لم يكن سعياً وراء التفرد أو تميّز صوتي بقدر ما كان دفاعاً عن ذاتي في لحظة تشظٍ. كنت أكتب لأفهم، لأتنفس، لأقول “أنا هنا” في زمن كان كلّ شيء فيه يدفعك إلى الاختفاء. لم أضع خطة لتأسيس نبرة خاصة، لكنني كلما كتبت كنت أعود إلى أعماقي، إلى هشاشتي، إلى حارات دمشق، إلى مشاهد الثورة الأولى، إلى وجوه الراحلين، إلى المنفى الذي طال. تلك هي المساحة التي تشكل فيها صوتي، ولهذا لا أشعر أنه يشبه أحداً.
    ربّما هذا ما يمكن تسميته بـ”الخاص” الذي حققته: الكتابة كاعتراف، لا كإنجاز. أما عن جيلي، فهو جيل لا يمكن تلخيصه بجملة واحدة. نحن أبناء لحظة تاريخية لا ترحم، جُرفنا من المدارس إلى الشوارع، ومن الأحلام إلى الخرائط الممزقة، من البيت إلى الحدود. لم يكن بيننا “مشروع شعري” واحد، بل كانت بيننا جروح مفتوحة تتحدث بلغات مختلفة. كلّ واحد منا كان يحمل صورة مكسورة لسورية، ويمشي بها كأنها قلبه. كتبنا من داخل الدم، من تحت القصف، من خلف الشاشات، من مراكب النجاة، من منافينا المتعددة. وقد لا نكون “أسّسنا” تياراً، لكننا قلنا شيئاً جديداً، لأن العالم من حولنا تغيّر جذرياً، وكان لا بد أن تتغيّر معه اللغة، والنبرة، والقصيدة.
    إن كنا حققنا شيئاً، فهو أننا لم نصمت. كتبنا، ونحن نعلم أن لا شيء سيُصلح العالم، لكننا كتبنا كي لا نخونه.
  • بين الصحافة والشعر، أين تجد نفسك أكثر؟
  • الصحافة هي ما أفعله، الشّعر هو ما أنا عليه. أكتب المقال كمن يشعل مصباحاً في غرفة معتمة ليكشف شيئاً للآخرين، بينما أكتب القصيدة كمن يغمض عينيه ليشعل ناراً بداخله. الصحافة منضبطة، تتطلب وضوحاً، ترتيباً، مساءلة. أما الشّعر ففوضى جميلة، لا يعترف بالخريطة، ولا يحتاج إلى تصريح عبور. هو اللغة حين تفقد اتزانها لأن القلب تكلم.
    أحياناً أجد نفسي أكثر في القصيدة، حين أشعر أن العبارة لا تحتمل الدقة وحدها، وأن هناك شعوراً لا يمكن قياسه بالمنطق، أو خبراً لا يمكن تصديقه إلا حين يُروى بالخيال. لكنني لا أهرب من الصحافة، فهي تمتحنني كلّ يوم في علاقتي بالعالم، وهي التي أبقت قدميّ في الأرض، حين كان رأسي في الغيم.
    بين الصحافة والشعر، لا أختار واحداً. أنا أعيش في المسافة بينهما، وفي هذه المسافة فقط أكون حيّاً بحق.
  • كلمة أخيرة لقرّاء صحيفة “الثورة” السورية؟
  • دمشق هي الشّعر والثورة، وأنا مجرد ابن من أبنائها الحالمين. أرجو أن تفتح لي عيون السوريين نوافذها مجدداً، أن يقرؤوا شعري كما لو أننا نلتقي بعد فراقٍ طويل، وأن نتصافح ذات يومٍ قريب بعد زوال الخوف وسقوط الطغيان. لأن الشّعر، في النهاية، هو أصدق لغات العناق.

    نهاية الحوار

    صورة الحوار المنشور على الرابط التالي :
    https://thawra.sy/?p=658572

أضف تعليق