,

«لمع سراب» لعابد إسماعيل: أصوات حادة للدهشة

غلاف مجموعة «لمع سراب» للشاعر عابد إسماعيل، دار التكوين، 2008

صحيفة الثورة
الأربعاء 17-12-2008
عمر الشيخ

لمع سرااب- 2006- عابد اسماعيل

بعد مجموعة (ساعة رمل ) عام 2003 يصدر الشاعر عابد إسماعيل مجموعته الخامسة (لمع سراب) عن دار التكوين بدمشق – 2008 .
نتيجة للتراكم الشعري الباطن يفرد الشاعر عابد إسماعيل 82 مقطوعة شعرية تطفح بالصور الجديدة و الخصوصية المدهشة على طول صفحات الكتاب أي ما يقارب مئة وستة وخمسون صفحة ،وهذا نتاج يعتبر ضخماً بمقارنة ً مع تجاربه السابقة منذ خمس سنوات ، عدا عن ذلك فهو له تجارب مهمة وكثيرة بالترجمة تحتاج لزاوية خاصة للمناقشة في تلك التجربة المهمة .‏
تظهر الحالة الشعرية في مقدمة المجموعة كمفتاح برمجي يهيئ العاطفة والروح لتلقي مشاهد تأريخ اللحظة بحرفية رقيقة كقوله : ( لا مرئي أنا مثل ريح تهب / أو سماء تسقط في الكأس )ص 11 ، وحيث تسلم للزوابع الكلمات إحساسك ، ينساب الفرح من رائحةِ خواتم المقاطع لتترك صرخة ً مدوية في قاع قلبك . وربما الدخول إلى الشعر في هذا الكتاب ليس مرئيا ً فبمجر تمتمت بدء كلمة (صوت ) ستحلم بأن ذاك الشيء ينشطر من خيالك مرسوما ً بقريحةِ شاعر ٍ اعتاد الكتابة بالمشرط على ألوح المفاجآت ، تتنقل من مقطع لآخر دون أن تدرك سقوطك شيئا ً فشيئا ً في شلالات من الأنين والذاكرة تجرّ البحر والاستغراب إلى عينيك المتتبعة تلك الأغاني الفاقدة للحن والصوت و التي تستحضر الكواكب واصطدام النيازك ومداعبات الشمس لنجوم الظهر التي تلسع رعشتك وتفتّح رئتيك بماءٍ من اللذة ، الطيران، التحليق لأكثر مما يتخيل الخيال يقودك هذا المقطع : (لا تضغط بعينيك على القصيدة /تقعان على الصفحة /لا تضع الإكليل على القبر /تنحني روحك/../ لا تكن زجاجياً تماماً / يهبط النهار عليك كحجر، /لا،لا تحدق طويلا ً/ بالسماء الزرقاء/ قد ينبت لك جناحين / وتطير ..) ص 39-38‏
أحيانا ً يخاطب الشاعر قارئها ثم يتركه ليستنتج أنه يتكلم عن نفسه، ثم يتكلم عن نفسه بشكل مباشر حتى يشعرك أنه يتذكر صديقه الذي أقبل على فعل اللحظة ، تتوه قريحتك وتشتعل من البرد حتى تقفز للحظةِ تأمل فتجد أن ما شعرت به لا يمكن أن يفسّر إلا بالتخاطب الروحي ما بين مرادك المتوقع و غاية الشاعر الرائعة : ( لا توقظوه / عشرةً أقمارٍ حطت على شرفته /و الحب الأزرق الغامض / يولد كالابتسامة على شفتيه /) .. وأيضا ً (لا توقظوه /هذا الذي دفناه في الأغنية /وواريناه الثرى /في مترٍ مربع / من عذاب القصيدة /) ص 49-48- ،وهاهنا يستفز شهوتك بالانفعال لتكسير الحقيقة والبقاء طوال العمر في خضم الأحلام لا شيء سواها ، الوهم يجعل من الحب واقعا ً متوحد مع الروح .‏
تدخل مفردات الطبيعة عالم الشاعر وتتوالى حتى تصبح أدواته نفسها ، يوظفها بتأمله لتشن صرخةً فاجرة على السكوت والاكتفاء حيث يردد : (لماذا لا تغرز الشمس أظافرها في الجليد / ويقف الشجر عارياً في الغابة؟/ لماذا تتجمد السحابة في الجو/ ويرفع المشيعون رؤوسهم إلى الأعلى ؟/.. ص 69‏
لماذا لا تسكت هذه الحياة النابحة / التي رميت لها عظمة حياتكَ؟ /لا تسكتُ حياتك / التي تهرع إليك كألف كلبٍ نابح /..ص 70- ..‏
الألوان تلعب بحروفها وتسف من الشاعر ما طاب لها من التوصيف والمتعة ،حيث الوقوف على خليطها بالإحساس كفيل بنثر الذهول على معالم الوجه : (الأخضر /مزاج الشجرة /الأرجواني / ضمير الغروب /الأزرق حلم طائر ٍ / يهوي / ميتا ً على شرفتك َ ../ ) ص 83 ،‏
وفي أواخر الكتاب يستحضر الشاعر أسماء مهمة لشعراء وأدباء ومفكرين قدامى وحدثويين مهمين ولهم عظمتهم حتى يطفي عليك شعور بأن مسيرتهم حاضرة بكلها من خلال هذه الكلمات : ( أسقط كما ترى يا النفري /ثم أحاول النهوض ثانية ً / أنفض سماء ً عن ثيابي /وشظايا نيزك عن روحي ..ص143 ) ، وهناك أيضا ً:‏
( يلزمك مخيلة بيضاء يا نزار قباني /كي تصف هذا الثلج الهاطل/ فوق سواد دمشق ص 151 )‏
ويختم بهذا المقطع المثير :‏
(رامبو الذي انتعل الريح / يركض تحت سماء القصيدة / مسحورا ً بالسراب ..ص156)‏
وبعد فلاشات الدهشة التي تتركها مجموعة ( لمع سراب ) يصبح من الممكن على المتذوق لهذا الفن أن يسميها رائعة تعطر الشهيق وتلغي الزفير ، تسافر به إلى أحلى الأشياء من الجمال والحب واللهو والمرح والضحك والسعادة وأضواء خافتة كناية عن الحزن البسيط جدا ً اللازم والضروري لينقلك إلى زهو الإحساس حيث المزهريات كرستالية على شكل مقاطع شعرية تتنفس عبراتك و تجعل من لحظاتك أحلاماً مؤبدة بالمسرّة ، مرة ً تشعر أنك فوق المجرات ، وأخر تشعر أنك ما بين رئتي الله ترسم بأحلى الرقصات ألحانا ً تشكّل لمع جنون ٍ يشبه ملايين العابرين في هذا العالم بل ويكتبهم بأدق صورةٍ شعاعية .
Omaralshaikh-sam@hotmail.com‏


المقال السابق
المقال التالي

ردان على “«لمع سراب» لعابد إسماعيل: أصوات حادة للدهشة”

  1. السلام عليكم رأيت فيك نفسي ورأيت في شعرك الدنيا من حولي واسمي شرفا لي ان يكون مثل اسمك

  2. omarsh

    أهلاً بك في أي وقت…

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من عمر الشيخ

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة