جريدة الثورة
الخميس 5-11-2009م
عمر الشيخ

عبر توقيت الصمت وفي الثواني الحقيقية من حياته يكتب الشاعر السوري فؤاد آل عواد يوماً شعرياً لآخر الدقائق التي تضرب هوسه لتدون اللحظة المختلفة، و يطلقها في كتاب اللحظات الصادر حديثاً عن دار التكوين الدمشقية، ليقدم في نصوصه تأكيداً على سطوة النسيان وخذلان العبور إلى الماضي، فالشكل الذي يحكم طباع تلك النصوص ينتمي إلى تقنية القصيدة القصيرة ذات المقطع الواحد، و في بعض المقاطع تظهر إيحاءات المجاز الشعري التي تحاكي فكرةً تخص الذات أو تنتمي إلى همٍّ عام يصيب الكثير من العائدين إلى الذكريات واللحظات المنتهية.
يقسم الكتاب إلى فصول متداخلة بالكنايات الزمنية ضمن اشتقاقات الوقت، يكتب الشاعر بحسب تصاعد مدة الدقائق ليعطي كل مقطع عنواناً حسب توقيت الزمن، وفي فصلٍ آخر يتناول الشاعر مواقع خارج الزمن مشكلاً عبر ذلك مفارقة للابتعاد عن التسلسل التقليدي حسب الترقيم في كتابة النص ولتقديم وجهين لعملة واحدة هي الوقت في صراعاته وفراغه.
طقوس القصائد بشكل عام تتقاطع بين الذاكرة العتيقة و البيئة المكانية التي كتب فيها الشاعر كلماته، فهي تقترب من مفردات مدينة ميونخ الألمانية حيث يقيم الآن بين المقهى والطاولات والحدائق ومبنى الإذاعة حيث يعمل والطرقات الموحشة التي تلازمه مع الغربة صديقته الرافضة للرحيل، تعمل تلك الأمكنة على خط بياني ينحني بحسب درجة الذكريات بين ميونخ والشام، ويحاول الشاعر عبر هذا الكتاب التواصل مع بلده لعل الغياب يزول وينقله عبر القصيد إلى الصور القديمة للطفولة والصبا، يستحضر جغرافيا يومياته ليحصرها بين دفتي مجموعة شعرية تتسم بالعبارات البسيطة والمقاربات الأنيقة، وتكشف عن خفايا إنسانية عميقة تفسر آلام الغربة، من منتصف الليل إلى الفجر تأتيه صور النسيان وتتنزه في قريحته لتكتب أول رسالةٍ مفتتة في غبار الذاكرة: (جاءت الرسالة، فتحها البواب، أحرقها الجنيناتي،/ أزهرت وأثمرت تفاحاً ووروداً) وهكذا هي رسائله تأتيه كثيرة و لا تصل أبداً، رسائل حبّه و ربّما رسائل الأهل!؟
أحد دقائق هذا الكتاب تحاول الصراخ ولكنها تغص بالألم والحنين، يأتي الشاعر يسقيها كوباً مثقلاً بالأمل لتبتلع اليأس وتقول لأختها الدقيقة المقبلة : ( كتاب فارغ الحروف،/ كلماته «ذهبت تتنزه في النسيان»/ عنوانه «حبر جاف») ، تلتفت الدقيقة التي حانت وتعدّ الأشياء الجامدة بمرورها على الرجل الوحيد وهي تقول : (علاقة ثيابٍ:/ ثلاثُ جاكيات، معطف وشال./ ناموا ثلاثة أسابيع و استيقظوا في غسالة تدور) هكذا هي وحدة شديدة تنتاب المكان وتحاكي الأشياء الحزينة.
يلتقط الشاعر كلاماً مكبّلاً بالظلام، و يصيغ منه نشيداً للتفاؤل الواهم، لا ينقصه إلا صوت الصدى الذي لا يأتي : (شمعةُ لا تضيء:/خيطها استعمله الجرّاح ليضيء جرح العتمة).
عند فصل بعنوان مواقع خارج الزمن يفتح الشاعر باباً للفراغ ويبرهن أسئلته الصعبة عبر صور حيّة عن الوحشة تستحضر الماضي ولكن دون أدنى همسة تأتي من أحد : (ساعةُ الحائط: / عقاربها تدور إلى اليسار حنيناً إلى الماضي)، يتهكم أكثر ليفرغ طاقات البكاء شعراً ويحاور تفاصيل الضوء يحاور الليل ويعزف لنجماته : (في ردهات المساء تقف الصدفة تبحث عن صديق/ والأحجار تبتسمُ بألوان السخريّة).
نشيد التفاؤل الواهم بين الوطن والمهجر
0
