سنوات الضوء لـ آلن تانر التحليق بوصفه جنوناً مؤبداً‏

ملحق ثقافي‏
16/12/2008م‏
عمر الشيخ‏
بهذه العبارة يمكن وصف فلم ” سنوات الضوء ” ، الذي عرض ضمن تظاهرة السينما السويسرية ، في مهرجان دمشق السينمائي في دورته السادسة عشر ،‏‏‏ فكرة الفلم مأخوذة من كتاب بنفس العنوان “السنوات الضوئية” لمؤلفه : ( دانييل أوديير) ، حيث كتب السيناريو وأخرجه للسينما السويسري ( آلن تانر ) عام 1980 ، ولعل صعوبة طرح الفكرة جعلت الحضور ينسحب من نصف العرض و يبقي آخرون عديمي المخيلة .‏‏
بطرحه الخيالي يضع فلم سنوات الضوء المشاهد أمام إيماءات مدهشة غريبة ، تنسجم متعتها مع قوة التركيز الروحية والبصرية لدوافع داخلية مهمته تغيير شكل الدنيا ما بين عيني المتفرج ..‏‏

تدور أحداث الفلم بحواراته القصيرة عن شاب يدعى (جوناس) الممثل (ميك فورد) يبلغ من العمر 25 سنة ، يعيش عام 2000 في شقة مؤلفة من غرفة واحدة في بناء قديم عشوائي على ما يبدو .‏‏
صاحب الدار عجوز يدعى(يوشكا) الممثل (تريفور هاورد) يقيم في منطقة نائية بعيدة عن المدينة ، على جانب طريق مؤدية إلى مدينة أخرى ، تبدأ الحكاية من سخرية العجوز التي يصبها في صباح أحد الأيام على كسل الشاب ، يصفه بأنه فاشل لايملك ثمن أجرة الغرفة التي يقيم بها ، ثم يتركه ليذهب إلى مكانه ذاك ، في المنطقة النائية ،حيث يقيم على أنقاض مرآب و محطة وقود تالفة وقديمة ، بجانبه خردة سيارات ،عنده سرّ ، يحتفظ به في كوخ ضخم مصفح من معدن التوتياء ، يجلس فيه معظم أوقاته ، أمّا الشاب يعمل كساقٍ في احد الحانات ، يتأثر بعبارة أشار عليها العجوز عندما وبّخه في نفس اليوم ، تركها له ضمن كتاب ، فحواها يعني (عليك السفر لتجد نفسك ) ، يتخذ القرار ليتبع العجوز عجيب الأطوار ، يقيم معه في نفس المكان ن ويبدأ بالتودد إليه كي يساعده لينجح في الحياة ، . يسخر العجوز في بادئ الأمر من الشاب بأن يوكل إليه القيام بمهام تافهة لا طائل منها، كملازمة مضخة وقود مهجورة، أو فرز قطع تعدّ بالمئات لبقايا سيارات لا تصلح لشيء ، فيشعر الشاب بأنه سيفقد صوابه ويحاول الانتحار ،بأن يحرق كل الخردة ويجلس ضمن سيارة محطمة قديمة ينتظر موته لأنه أحسّ بالفشل الذريع ، وهذا ما يجعل يوشكا العجوز يعجب بتفاني هذا المتدرب فيقرر في النهاية أن يطلعه على سره الرائع المتمثل في محاولته بناء آلة طيران بنفسه في المرآب ويزعم بأن الطيور هي التي علمته الطيران، بعد انتهائه من بناء الجناحين الميكانيكيين بمساعدة الشاب( جوناس) ، يودعه ويقول له : ( اذهب إلى المحامي في المدينة ثمّة وصية لك هناك ..) ، في صباح اليوم التالي يعثر على العجوز ميّت بعد أنا طار ما يقارب 100 متر بفضل اختراعه ، كما يعثر عليه فاقد العينين ،هنا يقول الشاب أنّ العجوز قتل معظم النسور هنا كي يطير وهي التي علمته إلا هذا ،ويشير إلى القمة حيث يقف نسر عملاق متأمل ما حدث للعجوز المجنون بالطيران الخارق لقانون الطبيعة ..!‏‏
أما ما جاء بالوصية فهو كل ما يملك العجوز يكتب باسم الشاب(جوناس) ، وأيضاً ثمّة قصائد شعرية تقارن بسوريالية رامبو قد خطها العجوز وهو في ذاك المرآب ، تقول إحدى المقطوعات: ( اجعل اسمك يبتلع كل الريح … ) و أيضاً ( كل شخص هو الكون نفسه) ..‏‏
حيث يتلوها الشاب على راقصة تعرّف عليها في المدينة ، ويقول لها أتعيشين معي هناك ، فترفض نظراً لعملها ، فيتركها ويترك المدينة ويترك كل شيء هناك .. ويعود إلى المرآب المهجور ، يتفقد أشياء يوشكا ، يتذكر يومياته مع جنونه وتصرفاته الغريبة ، ويصرخ وسط الفناء : (يوشكا… سأكونُ أنتَ ) ..‏‏
بنقلته العميقة وأفكاره الممتعة يترك هذا الفلم أثره الممتع عند قلة قليلة من الذائقة ، لذا رغم قدم إنتاجه وتصويره ( منذ 28 سنة ) لم يكن عرضه عبثاً وبلا جدوى ، إنما خسارة لمن لم تتح له الفرصة لمشاهدة 105 دقائق من الجنون يوشكا العجوز الذي يحلم بالطيران ولأجل ذلك يربّي النسور يتعارك معها يقتل معظمها مؤمناً بأسطورة امتلاك الطاقة من خلال قتل صاحبها ، هكذا يقودنا آلن تانر ببراعته لإخراج عمل خيالي ملون له بعض القوانين العلمية ،وأساسه نسف الحقائق الطبيعية والاشتغال على عواصف الخيال الشاسعة .‏‏

الخيال هذا العالم الذي يقبع في قاع خواطرنا ، ولكن كيف لنا أن نحلم ما دامت ثقافتنا السـينمائية مادون الهوس..؟ و أرواحنا لا تحتمل أفعال الجنون ..؟‏‏
سنوات الضوء .. حياة يجب أن نسقطها على عاتق خرائطنا في اللاوعي ، ربّما تظل سنوات عمرنا ضوئية مؤبدة بالفرح والفن ..بلا حسبان لأي نتائج سوى تحدّي الطبيعة..‏‏

أضف تعليق