النهار اللبنانية
12-نيسان -2011
عمر الشيخ

يتوارى الحديد والنحاس في كولاج تشكيلي قاسٍ خلال أنوثة الإشارات السرية التي تبثّها الفنانة صفاء الست في تشكيلها النحتي ضمن معرضها «شو» المقام في صالة «تجليات الدمشقية». «شو؟» هو سؤالنا الدائم ماذا؟ تأتي الكلمة بالإنكليزية بمعنى حذاء، وهذان المعنيان يقاربان اليوميات المعيشة من خلال تكوين سيكولوجي تراه الفنانة منسجماً مع التفاصيل المادية ضمن أسراب الأحذية النسائية الضخمة والصغيرة المنساقة في الاتجاه الهندسي التجريدي حيناً، والواقعي التعبيري حيناً آخر.
على الرغم من تدخل الحديد كمادة رئيسية لبناء النماذج التي اختارتها صفاء الست، إلا أن طغيان الحضور الأنثوي بدا بارزاً في التشكيلات ذات الأحجام الصغيرة خصوصاً، إذ تلجأ الفنانة إلى تجسيد فتيات صغيرات عبر عزقات وبراغٍ ناعمة تستخدم نادراً في التكوين الميكانيكي أو المادي الثابت، على عكس ما تظهر في تكوينات حديدية تصور الحذاء كقامة اجتماعية رفيعة تحرك بتلاحمها ضربات نحاسية ملحومة، وتعوض في ارتفاع كعبها عن نواقص اجتماعية تختبئ خلفها شخصيات تسعى للارتفاع في الهواء عالياً على رغم التصاق أقدامها بالأرض.
في أمكنة أخرى يأتي إحساس المرأة بالحرية والخفة والتحليق من خلال أحذية قائمة على ارتدادات مجموعة نوابض تكاد أن تنفلت، مؤكدةً حرية الحركة والقفز. إلى جانب محتواها العملي، تظهر دلالات العصافير والورود والريش لتخدم العمل من الناحية الجمالية كشبكة فنية تفقد ثقلها بتشكيلها على هيئة جسد أو كائن. نصطدم بحراشف أسماك تمثل ملمس الحذاء كمقاربة رمزية تحاكي الخروج على المألوف، وتزين الحديد بأبسط الأشكال الحيوية التي تحتاج الى بيئة معينة، وهي في المحصلة تخرج عن تلقائيتها المكانية لتحتل واجهة فنية تنتمي الى الأنوثة في عمق المعادن وثقلها الفيزيائي.
هنالك تركيب هندسي تتبعه صفاء الست في بناء كتلها الحديدية لأجساد الأحذية، حيث يتركز تراكم تفصيلي غايته إلغاء الضجة البصرية على طول عفوية الرغبة العضلية لدى الإنسان بتطويع الحديد ليكون فناً، أي استخلاص الوزن في كتلة واحدة ربما لا يمكن أن تكون حذاء! في الانتقال إلى الجزء الأوسط من الأحذية الأخرى، نشاهد تقوساً نصف دائري يؤكد أن هذه الأحذية ليست للاستخدام إنما هي صوت هذا الرابط المادي لكل إنسان مع الأرض، انتهاءً بالكعوب المرتفعة التي يعتلي معظمها منارات بحرية تزخرف فيها الفنانة قولها التشكيلي في بحر الحديد المطلّ على عنفوان الأنثى وانفعالها المباشر ضد القسوة.
ترميز ايروتيكي
لا تخلو الأعمال من ترميز إيروتيكي، كالحذاء المشغول من السلاسل أو ذاك المنتهي بحلقات تلتف حول الساق، وقد كتبت عليها كلمات وعبارات من مثل «هشّك بشّك» و«طوذشني خلخالي»، ما يعطي الحذاء تأثيراً جنسياً لافتاً ربما عبر الرقص، وقد تركزت عين المشاهد على الأقدام.
هنالك أعمال تستند مخيلتها الى عناصر الطبيعة بعشبها وورودها، وهذه الجمالية الطبيعية تتعلق بإغواء أنثوي مرتبط بالحياة والهواء الطلق، كما في حذاء السنابل الذي كوّنت أقطابه أسياخ مذهبة.
الأعمال التشكيلية تقوم على مواد مختلفة (حديد ولحام معدني ونحاس) وهي ذات ثقل من حيث الوزن وقد يصل أحجام بعضها إلى أكثر من متر ونصف المتر، وأخرى يتجاوز ارتفاعها المترين، ذلك كله يفقد خصائصه المادية أمام المضمون الفكري والجمالي والغرائبي للحذاء، بحيث لا نشعر أن الحديد البارد بارد بل قادر على إيصال حرارة نبضه وموسيقاه الباطنية والمحيطة، المتجلية بالخفة وحيوية التكوين، بالإضافة إلى جمع الكتلة وفراغها بحيث يصبح الفراغ عنصراً مضافاً إلى الحركة داخل العمل، وهذا ما يقود العين إلى انسيابية مرنة على سطوح المنحوتات وزواياها.
