عمر الشيخ
بدت فكرةُ تحوّلِ قبرصَ إلى بوّابةِ الهندِ إلى أوروبا، للوهلةِ الأولى، شعاراً دعائياً مألوفاً في لغةِ الاستثمار، قبل أن تغادرَ الكلماتُ القاعاتَ إلى سطحِ البحر. ففي 15–16 حزيران/يونيو الماضي، وصل رئيسُ الوزراءِ الهنديّ ناريندرا مودي إلى لارنكا، واستقبله الرئيسُ القبرصيّ نيكوس خريستوذوليديس واصفاً الزيارةَ بأنّها “تاريخيّة” وتفتح “شراكةً استراتيجيّةً بلا حدود”. وعقبَ اللقاء صدر بيانٌ مشتركٌ تضمّن بنوداً عمليّةً في الدفاعِ والأمنِ البحريّ والسيبرانيّة، وزيادةَ زياراتِ البحريّةِ الهنديّة والتدريبِ والبحثِ والإنقاذ، وتبادلَ المعلوماتِ لمكافحةِ الإرهاب. وبعد أقلّ من ثلاثةِ أشهرٍ، رست الفرقاطةُ الهنديّة “تريكند” — وهي سفينةٌ حربيّةٌ من فئة “تالوار” — في ميناءِ ليماسول القبرصيّ بين 21 و24 أيلول/سبتمبر الفائت، لتنفيذِ تمرين “العبورِ والتعاونِ البحريّ”، وهو تمرينُ تنسيقٍ سريعٍ عند التلاقي في البحر بين قوّتَين بحريّتَين، بالتعاونِ مع البحريّةِ القبرصيّة. والفرقاطةُ “تريكند” تُعدّ منصّةً صاروخيّةً متعدّدةَ المهامِ مزوّدةً بصواريخ “برهموس” للهجومِ البحريّ والبريّ ومنظومةِ الدفاعِ الجويّ “شتيل”، مع قدراتٍ مضادّةٍ للغوّاصاتِ وحظيرةٍ لمروحيّةٍ، وتتبعُ قيادةَ البحريّةِ الغربيّة ومقرّها مومباي. بهذا التتابعِ السريعِ انتقلنا من الخطابِ إلى الاختبارِ التشغيليّ، وتبدّل المعنى؛ إذ غدت قبرصُ منصّةَ تشغيلٍ ذاتَ بنيةٍ جاهزةٍ للتنفيذِ والمتابعة، تمنحُ الهندَ نقطةَ ارتكازٍ في شرقِ المتوسّط.
هذا التحوّل يفتح قراءةً مختلفةً للمشهد العربيّ المحيط بقبرص. فالمعادلةُ الناشئة لا تتعلّق بالضرائب والحوافز فحسب، بل باقتصادِ الأمن؛ كيف تُترجَم الخياراتُ الدفاعيّة والبحريّة والسيبرانيّة إلى خفضٍ ملموسٍ في كلفةِ المخاطر على التجارةِ والطاقةِ والبيانات. حين صرّح نائبُ وزير الدولة القبرصيّ للبحث والابتكار والسياسة الرقميّة، نيكوذيموس ذاميانو، في مومباي يوم 19 أيلول/سبتمبر الفائت، بأنّ قبرص “أولُ نقطةِ دخولٍ للهند إلى أوروبا”، كان يلمّح إلى تشكّل منصّةٍ لاختبارِ التقنياتِ والخدماتِ والأطرِ التنظيميّةِ الهنديّة داخل الاتحاد الأوروبي، تمنحُ نيودلهي مساراً أقصرَ وأهدأ إلى السوقِ الموحّد. في خلفيّة هذا الخطاب سؤالٌ سياسيّ–اقتصاديّ حاسم: من يؤمّن الطريق؟ إذ لا قيمةَ لأي “بوّابة” إذا كان الممرّ المؤدّي إليها عالي المخاطر ومتقلّب التكاليف!
من هذه الزاوية، تبدو زيارةُ “مودي” والتمرينُ البحريُّ اللاحق كأنّهما اختبارُ ردعٍ هادئ أكثرَ منهما استعراضَ صداقة. شرقُ المتوسّط مسرحٌ تُقاس فيه القوّةُ بقدرةِ الحضورِ ساعةَ الحاجة، وبسرعةِ الانتقالِ من التعهّدِ إلى التنفيذ. أن ترسو سفينةٌ هنديةٌ في ليماسول بعد أسابيعَ من بيانٍ مشتركٍ يعني انتقالَ نيودلهي من حافّةِ المتوسّط إلى قلبه التشغيليّ عبر رصيفٍ أوروبيٍّ منخفضِ المخاطر. الرسالةُ بسيطةٌ: أيُّ عبثٍ بخطوطِ الملاحةِ والطاقة، على الخطِّ الممتدّ من المحيطِ الهنديّ إلى السواحلِ القبرصيّة، ستقابله اليوم طبقةُ حمايةٍ آسيويّةٌ إضافيّة. ليست الرسالةُ “ضدّ” أحدٍ بعينه، لكنّها ترفع كلفةَ المغامرةِ الأحاديّة وتضيف مستوى ردعٍ جديداً إلى شبكةِ الردعِ الأوروبيّة–اليونانيّة التقليديّة.
الزاويةُ الثانية التي تمنح هذا الحدثَ قوّةً إضافيّة هي اقتصادُ الأمن. في عالمِ البحر، السياسةُ تبدأ من بوليصةِ التأمين (وثيقةِ ضمان المخاطر). كلُّ ارتفاعٍ في أقساطِ الشحنِ يذهب جزءٌ منه مباشرةً من جيبِ المستهلكِ العربيّ قبل أن يظهرَ في قراءةِ المؤشّرات. حين تُنفِّذ قبرصُ والهندُ تمريناً لرفع قابليّةِ التشغيلِ البيني (المقصود به العملُ المشتركُ المتوافق) وحين يجري التفاهمُ على جداولِ زياراتٍ وتدريباتٍ مشتركةٍ وممرّاتِ اتصالٍ آمنةٍ، فإنّ الناتج يتجسّد أثراً قابلاً للقياس في احتمالاتِ الحوادثِ والتعطيل، ومن ثمّ في تكلفةِ التأمينِ وزمنِ العبور. ذلك ما يهمُّ قناةَ السويسِ قبل غيرها، ويهمُّ شركاتِ الغازِ التي توصل الإمداداتِ عبر محطّاتِ التسييلِ المصريّة في إدكو ودمياط، ويهمُّ خطوطَ الإمدادِ التي تُمهِلُ يوميّاً توازنَها الهَشَّ بين البحرِ الأحمرِ وبابِ المندب وشرقِ المتوسّط. في هذا المعنى، الاستثمارُ في الأمنِ البحريّ والسيبرانيّ جزءٌ من معادلةِ الأسعارِ النهائيّة للقمحِ والغازِ والسلعِ التي تمسُّ حياةَ الناس.
الزاويةُ الثالثة هي نزولُ “الممرّ الاقتصاديّ: الهند–الشرق الأوسط–أوروبا” — اختصاراً: “آيمِك” — من رومانسيّة الخرائط إلى برودةِ الاختبار. لطالما سُوِّق “آيمِك” بوصفه جسراً جديداً بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط، والجسور غالباً تُبنى بالقدرة على إبقائها مفتوحة. هنا تظهر قيمةُ قبرص؛ منصّةٌ أوروبيّةٌ خفيفةُ البيروقراطيّة نسبيّاً، مستقرّةٌ قانونيّاً، وذات خبرةٍ بحريّةٍ متراكمةٍ، يمكن أن تتحوّل إلى عُقدةٍ عمليّةٍ في شبكةِ الممرّ لا يزاحمها ثِقلٌ سياسيٌّ أو اقتصاديٌّ مبالغٌ فيه. حين يدفع “مودي”، خلال زيارته القبرصيّة، نحو تسريعِ اتفاقِ التجارةِ الحرّة مع الاتحاد الأوروبيّ، فإنّه يتحدّث عن إطارٍ مؤسّسيّ يمنح الشركاتِ الهنديّة منزلقاً قانونيّاً منظّماً للعمل داخل أوروبا. قبرصُ، في هذا السيناريو، ليست مساراً وحيداً، لكنّها مسارٌ مُجرَّبٌ ومرن؛ وبقدرِ ما يُصانُ الممرُّ جنوباً في البحرِ العربيّ والبحرِ الأحمر، تُصانُ حلقته الشماليّة في شرقِ المتوسّط.
تمنح هذه التطوّراتُ كلاً من القاهرةِ وبيروتَ وغزّةَ وتلّ أبيبَ أسباباً عمليّةً لقراءةِ اللحظة. في مصر، تتراكم مؤشّراتٌ تُرجّح مساراً واقعيّاً لربطِ الحقولِ القبرصيّة -مثل “أفروديت” و”كرونوس”- بمرافقِ التسييلِ المصريّة. هذا اتجاهٌ لا يحتاج إلى خطاباتٍ لتثبيتِه بقدرِ ما يحتاج إلى حمايةِ الملاحةِ في عُقَدٍ بحريّةٍ معروفةٍ، وإلى ضبطٍ سيبرانيّ للمنظوماتِ التي تُدير الإنتاجَ، والتحميلَ والمدفوعاتِ والاعتماداتِ. دخولُ الهند على خطّ قبرص يُضيف طبقةَ تنويعٍ مطلوبةً على الشركاءِ الغربيّين التقليديّين، ويمنحُ الشركاتِ العاملةَ في مصرَ وقناةِ السويس خياراً جديداً للتدريبِ والإنقاذِ وتأمينِ الأنظمةِ الرقميّة. ليس المقصودُ إحلالَ شريكٍ محلَّ آخر، بل إضافةُ ذراعٍ عمليٍّ جديدٍ يُستعملُ حين ترتفعُ المخاطرُ وتتذبذبُ تكاليفُ المرور.
في دائرةِ لبنان–إسرائيل–غزّة، لا يحتاج المرءُ إلى كثيرِ جهدٍ ليرى هشاشةَ البنيةِ البحريّة، وخطورةَ اعتمادِ خطوطِ الغاز على بيئةٍ أمنيّةٍ متحرّكةٍ. هنا يمكن أن يتبدّل معنى التعاونِ القبرصيّ–الهنديّ، من تمرين “العبورِ والتعاونِ البحريّ” إلى سوقِ خدماتٍ تتعلّق بالإنذارِ المبكّر، وبحمايةِ المنصّات، وبمرونةِ شبكاتِ الاتصالِ البحريّة. ليس الأمرُ وصفةً سحريّةً تُنهي نزاعاتٍ مزمنةً، لكنّه عنصرٌ تراكميّ يقلّل تقلباتِ الإمدادِ ويخفضُ مخاطرَ الأعطال، ويمنحُ اللاعبينَ المحلّيّين هامشاً أوسعَ للتخطيط. بهذا المعنى، الدفاعُ والاقتصاد وجهان لعملةٍ واحدةٍ، تتحدّد قيمتُها بمدى انتظامِ تدفّقِ الغازِ والسلعِ لا بعددِ البياناتِ الصحفيّة.
وإذا عدنا جنوباً إلى البحرِ الأحمرِ ومضيقِ بابِ المندب، حيث شهدت الملاحةُ المدنيّةُ تهديداتٍ متكرّرةً منذ أواخرِ 2023 -منها احتجاز سفينةِ نقلِ السيّارات “غالاكسي ليدر” في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 واقتيادُها إلى الحديدة، وكذلك استهداف ناقلةِ المنتجات “ستريندا” في 11 كانون الأوّل/ديسمبر بطائرةٍ مُسيّرةٍ أثناء عبورها جنوبَ البحرِ الأحمر- سنجد أنّ البحريّةَ الهنديّة راكمت خبرةً عمليّةً معتبرةً في المرافقةِ والإنقاذِ ومكافحةِ القرصنةِ على خطوطٍ تمتدّ من بحرِ العربِ إلى خليجِ عدن. أن تحصلَ الهندُ على نقطةِ إسنادٍ متوسّطيّةٍ في قبرص، فهذا لا يعني نقلَ الأسطولِ غرباً أو فتحَ جبهةٍ جديدةً، بل يعني إطالةَ ذراعِ الاستجابةِ وربطَ عُقَدٍ لوجستيّةٍ وسياسيّةٍ ضمن قوسٍ واحدٍ. أيُّ انخفاضٍ في تواترِ الحوادثِ على هذا القوس ينعكسُ مباشرةً على جداولِ المرور عبر السويس، وعلى كلفةِ التأمين، وعلى يقينِ السلاسل – وهذه كلُّها مفرداتٌ تطاولُ المواطنَ العربيَّ في أسعارِ السلعِ والطاقةِ قبل أن تطاولَ المستثمرَ الأوروبيَّ أو الآسيويَّ.
على هامش هذه الزوايا الأمنيّة والاقتصاديّة، ثمّة زاويةٌ رابعة أقلّ دراماتيكيّةً وأشدّ أثراً على المدى المتوسّط: قبرص بوصفها “مختبراً أوروبيّاً للهند”. بدلاً من اقتحام بوّابات التنظيم المعقّدة في العواصم الكبرى، تستطيع شركاتُ الهند أن تختبر منتجاتِها وخدماتِها الرقميّة والماليّة واللوجستيّة عبر نيقوسيا، ضمن إطارٍ قانونيّ أوروبيّ راسخٍ وحوافزَ ابتكار، مثل نظام صندوق الملكيّة الفكريّة الضريبي – وهو آليّةُ حسمٍ ضريبيّ على عوائد البراءات والبرمجيات- واعتماداتِ البحثِ والتطوير، وقنواتٍ مُبسَّطةٍ لتنقّل الكفاءات. هذا “المختبر” يُعدّ جزءاً من طبقةٍ سياديّةٍ للبيانات تُضاف إلى الأمن البحريّ؛ مراكزُ بياناتٍ مُحصَّنة، وبروتوكولاتُ إنذارٍ سيبرانيٍّ مُبكّر، وتوافقاتٌ على مشاركةِ المعلوماتِ الحسّاسة بطريقةٍ تحمي أنظمةَ الشحنِ والطاقةِ والمدفوعات. في عالمٍ تُدار فيه السفنُ ببرمجياتٍ لا تقلّ أهميّةً عن المحرّكات، تصبح حمايةُ البرمجيات جزءاً من حمايةِ الأرواحِ والبضائع، وتغدو الكابلاتُ البحريّةُ جزءاً من أمنِ البحر.
ولا ينبغي إغفال “التعاون المُصغَّر” -وهو ترتيباتٌ مرنةٌ صغيرةُ العدد لا ترقى إلى تحالفاتٍ ضخمة، ويُعرف اصطلاحاً بالمينيملاتراليّة- بوصفه طريقةَ العملِ المُفضّلة لهذه الترتيبات؛ قبرص–اليونان–الهند مثلّثٌ هادئٌ يشتغل على الشحنِ والطاقةِ والسيبرانيّة من دون أناشيدٍ كبيرة. ما يميّز هذا النمط أنّه قابلٌ للتوسّع العضويّ؛ إنجازُ تمارينَ دوريّة، مجلسُ أعمالٍ واستثمارٍ فعّال، ربطٌ تقنيّ في الموانئ، ثم إدماجٌ عربيّ حيث تكون المنافعُ فوريّةً؛ تسييلٌ وعبورٌ وتأمين. مصرُ مرشّحةٌ طبيعيّاً للدخول من بوّابةِ الطاقةِ والملاحةِ والتمويل، والإماراتُ والسعوديّةُ مرشّحتان من بوّابةِ الاستثماراتِ والخدماتِ اللوجستيّة، وقطرُ-بوصفِها عقدةً لوجستيّةً–جويّةً–بحريّةً (ميناءُ حمد، المناطقُ الحرّة، وشحنُها الجويّ)- قادرةٌ على وصلِ مساراتِ الهندِ بالخليجِ ثمّ شرقِ المتوسّط؛ وكلّما اتّسعت الحلقةُ من دون افتعالِ اصطفافاتٍ، ازدادت كفاءةُ الشبكةِ في مقاومةِ الصدمات.
تبقى تركيا، الحاضرَ الأكبر في حساباتِ شرقِ المتوسّط. الرسالةُ إليها لم تُصَغ بعباراتٍ حادّة، ولم تُعلَن على منصّةٍ صاخبة؛ لكنها واضحةٌ في التتابع؛ بيانٌ مشتركٌ في حزيران، ثم تمرينٌ بحريّ في أيلول. أيُّ اختبارٍ لخطوطِ القوّةِ في البحر سيقابله اليوم ليس فقط اليونانُ والاتحادُ الأوروبيّ، بل لاعبٌ آسيويّ له وجودٌ عمليٌّ وعلاقاتٌ متناميةٌ على الضفّةِ الأوروبيّة. ليس المقصودُ نقلَ المنطقةِ إلى منطقِ محاور، بل زيادةُ كلفةِ المغامرةِ الأحاديّة ورفعُ سقفِ الردعِ بأقلِّ ضجيج.
مع كلّ ذلك، يحتاج المشهدُ إلى جرعةٍ واقعيّة. لا “التعاونُ القبرصيّ–الهنديّ” وحده سيحلُّ معضلاتِ الطاقةِ في شرقِ المتوسّط، ولا تمرينٌ بحريٌّ واحدٌ سيُخفضُ أقساطَ التأمينِ لكاملِ الأساطيل. هناك فجواتٌ بنيويّة لا تسدّها زيارةٌ أو موسِم؛ تفاوتُ القدرةِ على إنفاذِ القوانين في بعضِ المرافئ، هشاشةُ شبكاتِ الاتصالاتِ البحريّة، ضبابيّةٌ في أطرِ التسعير، وتقلباتٌ سياسيّةٌ تجعل الأولويّاتِ تتبدّل بمفعولِ المواسمِ الانتخابيّةِ والأزمات. وفوق ذلك، المنافسةُ على عقودِ الحمايةِ والخدماتِ والتقنيةِ مفتوحةٌ بين غربٍ وشرقٍ وفاعلين إقليميّين؛ ما يستدعي من قبرصَ والهند صبراً مؤسّسياً لتحويلِ الخطواتِ الصغيرةِ المتراكمة إلى “حزمةِ كفاية” قابلةٍ للقياس؛ جداولُ زياراتٍ وتدريب، مذكّراتُ تنفيذٍ قطاعيّة، بروتوكولاتٌ سيبرانيّةٌ مشتركة، ومؤشّراتُ أداءٍ مرتبطةٌ بالأسعارِ وزمنِ العبور.
لهذا بالضبط، تكتسبُ الأشهرُ المقبلةُ أهميّةً مضاعفةً. قبرصُ تتّجه إلى رئاسةِ مجلسِ الاتحادِ الأوروبيّ في النصفِ الأوّلِ من 2026. إذا أمكن — بين خريفِ 2025 وبدايةِ 2026 — تحويلُ بنودِ حزيران الدفاعيّةِ والبحريّةِ والسيبرانيّة إلى وثائقِ تنفيذٍ بجدولةٍ زمنيّةٍ، فسيصبحُ حديثُ “البوّابة” أقلَّ استهلاكاً وأكثرَ التزاماً بمؤشّراتٍ قابلةٍ للرصد. وإذا أمكن وصلُ مجلسِ أعمالٍ واستثمارٍ قبرص–اليونان–الهند بمشروعاتٍ عربيّةٍ ملموسة، فسنكون أمام تعاونٍ عَبر–إقليميّ يراكمُ منافعَ مباشرةً؛ خفضٌ تدريجيٌّ في أقساطِ التأمين، تحسّنٌ في زمنِ المرور عبر السويس، تنويعٌ في تمويلِ وحلولِ حقولِ الغاز، وصلابةٌ أكبر في منصّاتِ البيانات التي تديرُ البضائعَ والطّاقاتِ والمدفوعات.
حين شكر مودي مضيفَه القبرصيَّ على تكريمه في 16 حزيران، مستحضراً فلسفةَ “العالمُ أسرةٌ واحدة”، بدا كأنّه يستعير جملةً أخلاقيّةً لتدعيمِ خيارٍ براغماتيٍّ صِرف؛ حمايةِ طريقٍ طويلٍ إلى أوروبا. وحين قال خريستوذوليديس في اليومِ ذاته إنّ قبرص “حليفٌ متوقّعٌ وآمنٌ للهند” في منطقةٍ ذات أهميّةٍ جيوستراتيجيّة، كان يُعلن استعدادَ الجزيرةِ لأداءِ وظيفةٍ تتجاوزُ نزاعَها مع تركيا إلى هندسةِ توازنٍ أوسع في المتوسّط. بين الجملتَين، تتحرّك اليوم سفنٌ وعقودٌ وأرقامٌ وبياناتٌ وقراراتٌ صغيرةٌ تُبقي الطرقَ مفتوحةً. هناك، في التفاصيلِ التي لا تُرى في الصور، تُكتب الحكايةُ الأهم؛ كيف تتحوّل زيارةٌ وتمرينٌ بحريٌّ وخطابٌ استثماريٌّ إلى شبكةٍ إقليميّةٍ منخفضةِ الضجيجِ عاليةِ الجدوى، تربطُ المحيطَ الهنديَّ بشرقِ المتوسّطِ العربيّ، وتمنحُ الأسواقَ والناسَ قدراً معقولاً من الطمأنينةِ في زمنٍ بلا طمأنينة؟ هذه هي القيمةُ الحقيقيّةُ لتعاونِ قبرص-الهند إن قُدِّر له أن يستمرّ؛ ليس أن يُبدّلَ الخرائط، بل أن يجعلَ الخريطةَ صالحةً للاستخدام.
(كاتب سوري في قبرص)
