نيرودا.. دعد حداد.. أمل جراح.. كان يردد قصائدهم بعيداً عن زحام المدينة، وضحكته تشابه حبات الرمان المندثرة لتوها في بحيرات دمشق.. تطفّلت قليلاً وسألته عن بعض الكتب، وبينها كتيب رمادي كان إلى جانبه، قلت: (عشرون قصيدة وحب وأغنية يائسة.. لنيرودا؟) أجابني نعم! ثم قال: (من أجل قلبي يكفي صدركِ/ من أجل حريتك تكفي أجنحتي/ من فمي سيصل حتى السماء/ ما كان غافياً فوق روحكِ..) للشاعر نيرودا..
رائعاً كان ذاك الصباح، دقائقه الشعرية تمتد إلى تفاصيل الشوارع وروائح الجسور وأشكال دخان السيارات الممل، على الرغم من أن الحزام كان مشدوداً أكثر من اللازم ومثبتاً مسبقاً كعقدة الفولار أيام الدراسة الابتدائية، لكنني كنت مسروراً جداً وأنا في ضيافة سائق تكسي «السابا».. الذي أعطاني في أمله بالشعر أحلاماً تتجاوز تسعيرة العداد ومخالفات المرور وظلم البشر..
لم يكتب على مؤخرة السيارة (غدار يا زمن) أو (راجع بالسلامة) أو (حبيتك جكر بالناس)! لقد كان يعيش شعراً من نوع خاص، ترى أهي دمشق التي أعطته هذه الرغبات؟ أم هي حمّى الكشف الأدبي بمعدات لغوية مخملية راقية تلك التي تصيب شوفيرية التكاسي بنسبة واحد بالمليون…؟
لا أعرف تحديداً ما الذي ينتظره هذا الرجل من الشعر! ولماذا يقرؤه طوال اليوم رغم أنه لا يرغب بنشره أو إهدائه لأحد أو حتى ترديده لنفسه؟ لقد أصبح الشعر بالنسبة له بوابة روحية كبرى يدخل من خلالها الجمال والقبح.. الفقر والتعب.. الضحكة والغصة.. الوحدة والأمكنة الحزينة..
لن تصدقوا أن وجهه كاد ينفلق من الفرح عندما فتحت سيرة الشعر، لم أقدم نفسي إطلاقاً لأني أمام هذا النوع من البشر: أنا لا أحد.. فقط أفضل الاستماع! وفعلاً حتى اللحظات الأخيرة من تبادلنا باقي أجرة إيصالي إلى مكتب الجريدة كان لا يزال يغني للشاعرة دعد حداد موالاً ساحلياً يغطي به حدائق الشام وأسوار السماء حيث كان يحلم بأن يكون هو نفسه من أبناء الشعر، يقول:
(الحبُ جميلٌ هذا اليوم /وطيورُ العالم واجفةٌ تبحث عن دفء النومْ، / وأنا وحدي /لا أملك شيئًا/ لا أملك إلا الحرية/ إلا قلبي/ قلبي العارم حباً/ اقتلني واربحْ دولاراً/ لن تذكركَ طيورُ النورس، فوق سطوح الماءِ/ لا اللمسات العذبة للأشياءِ/ ولا الأبعاد الأسطوريةُ/ فوق جبين العالم، قبرٌ أبيض/ اقتلني واربحْ دولارا).
إنه الشاعر.. في أي مكان ومهما كان عمله أو عمره أو شكله.. إنه الشعر حيث يعري كل شيء في وجه الحياة التي تنقب عنا نحن الكائنات الضعيفة المدافعة عن أحلامها المتذرعة تحت بقايا الروح.. نحن بقايا البقايا نحن أنت أيها الشعر..
دمشق نيسان 2010
نشرت في جريدة النهضة السورية
إنه الشّاعر
0
