دمشق لم تكن مدينة على الساحل، وأنا رغم قناعتي بذلك حاولت أن أخترع بحراً بكلّ تفاصيله، هكذا استحضرت إلى عالمي الافتراضي في كلّ يوم جزء من الرغبة لأبحث في قاع نفسي عنّي.
أن تكون مهووس بالرقص، بموسيقى الشهوة، وأن تقترح روحكَ كشاعر؛ مجازفة قد تذوّب أعصابك وتفتت قلبك لو فشلت في طقوس مكان، كالعاصمة، وخاصة إذا كنت طالب في ثانوية صناعية، تدير مناقشات مع أصحابك في فترات الاستراحة، تجعل منك مرفوضاً، وربّما تصبح فضيحة “مثقّفاً.. فهماناً..” ، حيث التسمية لا تأخذ من حقها إلا الاصطلاح الناشف لذوي العقليات المتعبة، المتجمّدة بفعل حمّى المال وإهمال الفن، هكذا كانوا أساتذة المهن في مدرستي الثانوية الصناعية الأولى بدمشق، لم يستطيعوا تقبّل فكرة الرقص.. أمسيات الشعر.. الموسيقى.. المسرح (رغم أننا كنا نملك مسرحاً جيد في الثانوية) لم نستخدمه إلا لاجتماع المدرسين، لترقين قيد أحد الطلاب، لم تكن تعرف المدرسة برمتها أنّي أتحرّق على مكان نصنع فيه محاولتنا الفنية في الرقص، أو قراءاتنا للأدب العالمي.. وخصوصاً حين اقترحت على أمينة المكتبة أن تُدخل كتب تنشّط ذائقة المهتمين من الطلاب، حيث كنت أحمل بيدي رائعة (نيكوس كزنتزاكيس – الصورة) زوربا اليوناني، قلت لها: “لماذا لا تدخلون أعمالاً كهذه مثلاً.. رفعت الكتاب الذي بيدي؟”، أجابت أنها لا تعرف ما به ربما يخرّب عقل الطالب، قلت: ( كتاب يفتح مسام الجنون، ويمطر الأنفاس شهوةً بالرقص، ينفض عقل طالب الصناعة ويخرجه من النواقل والعوازل التي تشكل الترانزستور عله يغير حياته التي حوّلها إلى ذاك العنصر بأرجله الثلاث، قاعدة، باعث، مجمّع، حتى كأن طبيعة طموحه ستكون بتلك العملية، أرضية مؤبدة التخشّب من السيليكون عندما يثور وترتفع حرارته من مناهجكم المتعبة، سيفتح الباعث قطبه ليستقبل شحناتكم المحبطة المدمرة لمستقبل أحلامه، فما يكون بالمحصلة، هو فصل لمدّة ثلاث أيام، وتعهد وطوابع، كلها تستقر بحالتها النفسية في مُجمّع الطالب أي قلبه، ليكره لحظة دخوله هذا المكان المسمّى.. ثانوية للفاشلين: صناعة”، حينها جحظت أمينة المكتبة عينيها وصرخت: ما كل هذه الزحمة، انقلعوا يا حيوانات أنت وهو.. هي..! ونادت لي تعال.. أنت ستكون مفصول نظراً لما قلته بحق المدرسة وبحق معلميك الذين يتعبون لأجلك..، أجبتها: لا مشكلة وداعاً.
جلست أسبوع كامل في البيت، مراهق بعمر السابعة عشر، لم أكن بحالة تعيسة، ولكن قررت إعادة قراءة هذا المفاعل الأدبي الرقيق “زوربا” ، بنهمٍ مجنون، أول يوم نمت كثيراً، ثاني يوم تابعت مسرحية “مدرسة المشاغبين”، ثالث يوم في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل تحديداً، تمددت على فرشتي قبّلت غلاف الكتاب، كأن زوربا مسرور مني لما فعلته في المدرسة، وأنا كنت أريد ان أقول له أن أمينة المكتبة ساخنة أكثر من الأرامل اللواتي عرفتهنّ، فتحت الكتاب بدأت القراءة بعيني، غيرت وضعيات جلستي، كما لو أني أداعب رسائل صديقاتي، سافرت إلى جزيرة كريت، وأنا أقرأ، كنت نورساً يحفظ رقصات زوربا، أرتّلها على أرصفة باب توما وحدي، كان ظل عكازه يثير رائحة الأشجار في دمشق، وكل قطعة رخام على ضفاف بردى، تبعث معي سلاماتها للحصاة الرطبة تحت أقدام العاشق القديم على الشاطئ، و”البسطات” تحت جسر الرئيس بفوضها العارمة جداً كانت تلقّن المدينة بأعصابها صورة كزنتزاكيس، كلّ ما مررتُ من هناك تأخذ من عيني بطاقة بحثٍ عن أعماله، رغم أنها تستحق الوجود في مكان أكثر قدسية من بسطات الكتب المستعملة، لكني حصلت على حكاية زوربا من هناك، أفلا أكنّ احتراماً لصاحبها.

مع آذان الفجر ثمّة محطة وقود كاملة تشتعل في خيالي، تبدأ في رئتي، توزع منهما الأوكسجين لتحترق أنقاض “أنا” ولا تتوقف، إلى جسمي إلى روحي إلى أعماق أعماقي، أين “السانتوري” يعزف عليه زوربا ليوقف مهرجان الدمع في غصتي لرحيله، أين رائحة الليمون من بيت الأرملة “لوسادة” عشيقة “مافراندوني” تعطّر دمها الرطب كأنها مقتولة للتو في أرض الكنيسة حيث كان قلبي المقسوم نصفين يجفف دموع زوربا عليها بعد أن نحروها لشدة فتنتها، لم ألتقي عملاق الجنون والحب والرقص والغناء، الحكيم الكاسر، لأتعلم منه عبقرية الحياة طولاً وعرضاً، لكني أحسست برغبته الخارقة بالتحدي ليعمّ الفرح هذا العالم، أحسستها ببراعة صديقه “الرئيس” صاحب “تقرير إلى غريكو”، بعد انتهائي من القراءة، بالقلم الأزرق كتبت على مقدمة الكتاب “هذه حياة تستحق أن تكون”، نقطة تحولي إلى ذاتي أكثر، وحمةُ الخلود في الذاكرة، حلم زوربا بعظمته يشقّ عني كلّ سنة شراسةً أكثر، ويرفع رصيدي في بنك السعادة حتى أرباحٍ لا تحصى، وأغني لحناً بوذياً لكزنتزاكي : “هذا المعبد من الكبرياء. وكل هذه الخطايا. هذا البستان المزروع بآلاف الخدع. وهذا الباب المؤدي إلى الجحيم، تلك السلة المليئة بالألاعيب، هذا السمّ الذي طعمه كالعسل، هذه السلة الأبدية التي تربط الناس بالأرض: المرأة ..” ؟ يا لها من روعة مقطوعة تمجيد، أمنت بها ووشمتها على حياتي.
أنا شاب مفصول من المدرسة، طالب صناعة منبوذ، فاشل كثيراً، أحببت الشعر وحاولت أن أكتبه، قرأت معلقات الشعر العربي وشرحها، ولم أتغير ليوم، قرأت ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي فبدأت رحلة الاكتشاف، حيث كان لرائحة زوربا الحضور الناصع، تعرفت عليه، قرأته مرة واثنين وثلاثة، وكل مرة أشعر بخللٍ في دستور حياتي، أعود بطقوسي البسيطة مبتسم أفتح هذا العالم “الكتاب”، بين أوراق تلك الرائعة، أنظر التشريعات الروحية، أتجرعها بهدوء مدمن، أردّدّ المقاطع التي وضعت تحتها خطوطاً، ألقنها لنفسي، فأكتشف في كل مرةٍ امتداداتٍ منعشة تنظف روحي من أوهام ما مضى، تؤكد روعة اللحظة بأكملها، هكذا أعيشها، “عندما نشعر بالقلق، يجب علينا أن نترك لأنفسنا المجال للسرور”، اعزف على “السانتوري” يا زوربا “عندما تقرر شيئاً، لا تخشى شيئاً” ألم تحفرها على مفارز شراييني، تلك الكلمات الذهبية، هذا الغذاء المؤبد لحياتي القصيرة، عفويتك التي تجعل للمغامرة لوناً شفافاً يتسع لجسدي عاشقين أنا و حبيبتي.
لن تغيب، ولا يمكن أن يغيبك عني أحد، ظلا ً وأفكاراً، وروحُ شقاوةٍ، متعةً في إدراك الدنيا ولمس الأشياء بطريقة مختلفة شهيّة أكثر مما يجب، جعلتني أنشئ علاقة حب مع كمبيوتري، كي يحفظ سري ويتحمل عيارات سُكري وأنا أطلق على لوحة مفاتيحه شعري، صرت أنتظر الشتاء لأبحث عن قلنسوةٍ تذكر أشيائي بحضوركَ إن غبتُ أنا عن الحياة.
من روحك ووحي طهرك كوّنت لنفسي طريقةً في العشق، وصار شبقي مميزاً عن العالم، أحببت الله بكلّ دوافعي للحياة كي لا أزعج مخلوقاته المسكينة “النساء”، ألم تدعوها مخلوقات بريئة أنا أؤمن بذلك وأسلّم على حضورك في كل يومٍ أضمّ حبيبتي، وأبتسم لله، أنا الرجل الذي يحب الله فيك ألم تقل: “إن الله العظيم لا تستطيع السماوات والأرض أن تسعه، لكن قلب الإنسان يسعه، إذن فأحذر أن تجرح قلب الإنسان”.
أيّها الأسطورة اليومية التي تعيش فيّ، أنا روح النوارس في جزيرة كريت، أعيد رقصاتك كما تخيلتها بحركاتك التي يتبدد من عنفها الحزن، وقفزاتك في الهواء التي تثير حفيظة الطبيعة وتلغي قانونه، سأرتب الكوخ وسأنتظر عزفك القادم من السماء فأنا متعب وبحاجة لصوتك المبحوح كي أنتشي وأخبط الأرض بحبّ، أنادي أيتها الدنيا زوربا في كل واحدٍ فينا لماذا تقتلونه ولا ترقصون؟
نشرت هذه المقال في ملحق جريدة تشرين الثقافي
20 ديسمبر 2008
عمر الشّيخ
