عندما عدتُ فجر اليوم الأول من شهر تشرين الأول / أكتوبر 2023 إلى بيتي من العمل في مدينة لارنكا القبرصيّة، كنتُ أتصفّح هاتفي الجوّال، وإذ بصفحات الأصدقاء تزدحم بصور الروائي السوريّ، خالد خليفة! قلتُ في نفسي من شدّة التعب لم أنتبه جيداً “ربما حصد جائزة جديدة، أبو الخلّ يستحق كل الحفاوة” ولكن حين دققتُ في التفاصيل لثواني قليلة؛ لأن أحداً لم يرسل لي يخبرني بالفاجعة، توقعت الخير، إلاّ أن الأمر كان هو إعلان رحيل للكاتب الاستثنائي الذي يعترف الجميع بمحاسنه، وصدقه، وحضوره اللامع، والخاص.
توقفت عن المشي قليلاً لم أستوعب الأمر، كانت مراثي من مختلف الأجيال والمعارف، وكان قلبي ينقبض أكثر ويزدادُ حزناً، لأنني فقدت أحد الكتّاب الذين تعجبني طريقة حياتهم وكلامهم وعالمهم الحياتي الصاخب، ببساطة فقدت داعماً كبيراً للكتابة الأدبيّة، بل ومحترفاً بها.
أوّل مرة رأيت فيها خالد خليفة، كانت في بيت القصيد بدمشق، تحديداً في فندق الفردوس، وكان ذلك عام 2008 حين بارك الشاعر لقمان ديركي من على منبر القراءة، لخالد، وصول روايته “مديح الكراهية” للقائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية “بوكر”. كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها ذلك الكاتب عن قرب، وبعدها أجريت بحثا وعلمت أنه سيناريست من الطراز الخاص وكذلك كان شاعراً في بداياته واليوم يبرع في الرواية التي حملته إلى العالم.
فقط، لم يكن لدي أي علاقة صداقة قريبة تجمعني بذلك الإنسان الكنز -حسب شهادات أصدقائه- والذي كان لا يتوقف عن دعم الجميع، كان صديقاً لامرأة كانت حبيبتي، وكانت تحكي عن لطفه الأبوي الكبير وعن جلساته الممتعة عن سوريا، والحياة، والحبّ، والناس.
لاحقاً شكلت صورة في مخيلتي عن الكاتب الراحل من خلال صفحات الفيس بوك وتفاعله وتعليقات ومروره المستمر على الجميع بكثير من الحبّ والحياة والمغامرة والمرح وخفّة الظلّ.
ساعدني صعوده إلى الضوء بكلّ ذلك المجهود الكبير والنشاط، ساعدني على التمسك بخيار الكتابة كطريقة حياة مهما كانت قاسية، وحين ألمحت لمثل هكذا في منشورة لي، ترك قلباً أحمراً يدلّ على محبة تدفعني للفرح دون توقف، لقد تفاعل كاتب بوزن خالد خليفة مع فكرة لي، ربما ليست لي كلّياً؛ إنّما أنا أيضاً امتداد لأصوات أخرى وصلت إلى ذلك، وبالمحصلة كلّنا جمع.
هذا ما كنت أشعر به مع وجود أصوت مهمّة في الأدب السوريّ على الساحة الافتراضية والتواصل المباشر، إنّهم يؤنسون وحشتي، يرمّمونني بكثير من الحضور النقيّ والمحاولات المستمرة، أستمد طاقة من انجازاتهم ورهانهم على البقاء والكتابة رغم كلّ شيء، حينها فقط أنظر إلى نفسي مجدداً وأعيد النظر بخياري في هذه الحياة أن أكون كاتباً، وإنّي لازلت أحاول حتى اللحظة أن أقول شيئاً لأحد ما، أنّ أخفف عن أحد، أن أكون أيضاً أنا جزءا من الجمع، من العالم السوريّ بكلّ ما فيه من صخب وحياة وتجربة.
شكراً خالد خليفة لأنّك تركت لنا كلّ تلك الآثار والصور والتراث الفني والأدبي، الجميل مثل روحك.
السلام والرحمة لك والسلام على ضحكتك الساحرة أيها الطفل الشاعر.
#لارنكا 2 أكتوبر 2023
عمر الشيخ
