في الوداع والولادة!

يستطيع الصباح أن يكون بهذا النشاط والأمل… ويستطيع قاسيون أن يربت على كتف بردى والمصارف الصحية… يستطيع هذا الرعب أن يجلس على قارعة الحياة قبل أن ينجز جدول أعماله المعقد.. لكن صباحي لا يستطيع أن يكون جميلاً إلا مع ابتسامة منكِ..
رئتان ترفضان الرحيل من صدري، إذا لم أسافر، واختناق يزداد صعوبة مع إطباق كلبات الدمار على عيوني، مشاهد كابوسية لرأس السنة بعد أن قنصه الخوف، حضن التعب يشدني إليه، وحبات السيتاكودائين لا تنذر بخلاص مؤقت، ثيابي خيّطها الغياب لتتناسب مع ما بقي من وحشتي، نباح مولدات الكهرباء في الريف يطاردني وليس في الرطوبة إلا عظامي تجرب الحياة وتعترف بالصقيع لحماً يكسوها..
لي وحدتي، لكِ عالمك اللوني البارد، المعقد، وهمُ على اللوحة وبيننا أوهام من الحبّ، ونزق في الكلمات، لا أكتب لكِ فيلماً سينمائياً عن الأطفال المشردين، ولا أحلاماً مؤجلة عن اللقاءات السرية..
أفكر بالنص الأخير تحت وابل الموت؟ أحاول أن يكون صوراً بلا ألم..! كأساً من دم الإله يسيل على جرحي، قليلاً من ماء بردى على مرضي، تراباً من مقبرة القدم منثوراً على سرير غياباتنا، أحجاراً التقطت قبلتي الأولى في داريا، حبّ أوغاريت.. كنزة مستعلمة لطفل من نهرعيشة تغطي قلقي، رائحة فاحشة لبساتين الغوطة تتناوب على حروفي.. بعض التلويحات التي أطلقتها لأخوتي على سكة المغادرين… مطارات غريبة.. طائرات مجهولة.. رحيلاً.. أشياء تسحب الحنين من شعره إلى وسط الدمار.. صورة عمرها سنة لقبر أمي.. اللقطة الأخيرة ليديّ حبيبتي قبل أن تمضي.. في حين في الخارج المعتم لازال الرصاص يرتب نوطته الموجعة على إيقاع النهايات..
فشل النص في كتابتي، جسر الكبّاس يحترق كل ليلة بالزحام والعشوائيات، والمتحلق الجنوبي وشاح الميدان والزاهرة الجديدة.. تصارعني الأمكنة، وتنتصر كل ليلة على ذاكرتي، أبحث عن أسلوب آخر لأودّع عام 2012.. كأنني لم أعش قبله أبداً.. لأنه العام الذي أحببتكِ فيه سأحبه رغم الوجع الكبير… لأنه العام الذي كبرت مدينتي في قلوب عشاقها.. سأحبه أكثر!.. لأنه العام الذي تعلمت فيه كيف يكون الوطن على مساحات كبيرة من التعب والأحزان والآمال والكرامة.. سأودعك أيتها السنة ولنلتقي على الورق دائماً..
بينما أهم في ختام أحداثي الأخيرة، أضيع مجدداً! لن يسأل أحد عني في الجوامع، وكثيراً ما سأكون شجرة كينا تكحّل الخريف بسقوط ذكرياتها، كأنه ضياع مدروس! أعيد ترتيب المشاهد، فيلم تسجيلي عن الشمس وأهمية وضوحها في الأدب.. لا لا! مقال سريع عن إشكالية الأزمة السورية وتنحي الأدب جانباً لضعف رواده في تطوير المشهد.. لا أيضاً ليس كذلك.. ما الذي يحدث في هذا النص؟ سقوط بطيء للقصيدة على تخوم الشهداء، تفاوت في أهمية الصرخة، وشد أحزمة وحقائب يناسب ما سيحدث بعد قليل..
رأس السنة أخذ كثيراً من المخدرات ليهدأ وجعه، رأس السنة السورية تحديداً سيعصب جمجمته محيطه بشال أسود طويل مطرز بالأحلام والرحالين والشوارع المحذوفة من خريطة العاصمة، وأنا يتيم في هذه الحياة من كل شيء، لن أرفع رأسي اليوم ولن أودع أحداً سواي.. سأصافح نفسي جيداً، وأقبّل جبينيّ بأمومة، وسأمسح دمعي من قاع العيون، من ثم سأنطلق نحو الأرصفة لأمد جسدي للبرد والغربة لعل العابرين يرمقون حطامي ويقولون لله: (لماذا تعذب هذا الصغير؟ خذه إليه.. ينقصه منك الكثير..!)
وداعاً أيتها السنوات الست والعشرون التي قضيت، وداعاً أيتها الكلمات السرية التي وضعتها يوماً للفرح حتى لا يغرقني بأوهامه.. سنولد من جديد في السنة المقبلة بلا ذاكرة أو أحلام، سنولد كأطفال الملجأ بلا آباء أو أمهات.. سنولد معاً أيتها الأحزان الطاغية.. سنولد مع قليل من فقاعات الصابون وألوان الباستيل المتبقية من ركام بيت سقط من قبلة قذيفة مجهولة…

كتب النص في أواخر العام 2012 في دمشق.
نشر في ديوان “قبل أن تمتلك الأرض” عام 2019
(دار نينوى – سوريا)

عمر الشيخ
ليل لارنكا

أضف تعليق