تواريخ لن تكتب!

قرب قوس المريمية، عند منطقة طالع الفضة وسط دمشق القديمة، كان صديقي المخرج الدرامي مع فريق التصوير والإضاءة والممثلين، يحاول أن يزيل أثار البخاخات على الجدران القديمة كي يحضّر مشهداً في عمله الدرامي المقبل، لم يستطع إعادة جدران الأحجار القديمة إلى شكلها الطبيعي.. ربمّا ألغى المشهد! هكذا، سنعود قليلاً إلى الأرض، ونشاهد قراءة الناس للحدث ولردّة الفعل، كل ما جرى وسيأتي، هو نمو طبيعي لمقدار الثقافة الفاعلة في المجتمع، إذ تراجعت النخب إلى التنظير، وسبق الشارع وعاطفته المجريات، ربّما، تجاوزها إلى دموية مطلقة! هنا رجعنا إلى الماضي، إلى التأليف والتخييل، المخرج يحاول أن يرمم الذاكرة أو يعدلها، والواقع يملي شروطه البصرية دون رتوش، إنها حرارة الدم النازف للتو، إنها الجدران القديمة التي لا تحتمل ضربة مطرقة.. كلهم يشهدون على التواريخ الجديدة.
الكتابة هي التي ستغيّر، كل هذا الزعيق والدخان والبارود، لا يصنع أمجاداً إنسانية، والأزمنة عادة ما تصاغ حسب بلاغة الكتابة وصدق مضمونها، هنا كان النص على الجدار أحياناً وفي الأفواه أحياناً أخرى، البعض وجد منه طرباً، والبعض الآخر اطلق النار لأنه دفع بالعقول أن تخرج عن نهج العادات.
ها نحن نعود إلى الزقاق القديمة في دمشق وعلى بعد كيلومترات قليلة تدور أشرس المعارك، هنا ثمة من يعود إلى تقصّي الحضارة على وقع الرصاص، يبحثون عن القلب ليجددوا قلوبهم، كأن جولات الموت تخسر أمام هذا الاصرار العظيم على مواجهة الحرب بقوة الحبّ..
على الضفة القريبة، من النافذة المطلة على على مدخل باب شرقي القديم، جلست الفتاة الصغيرة، تصغي لصوت الأجراس ولمجموعة من الشبان والشابات يقومون برفع شجرة الميلاد قرب الباب الدمشقي الشرقي.. السماء تكتب محوها بالمطر، والوجوه التي تبتسم للبرد، تكتب ميلاداً بالأخضر والشموع، تراقب الطفلة ذلك، وهي تعرف أن ما يحدث مجرد ولادات لأوهام الأمل على مفترق الرعب والسواتر الرملية، هي لا تعيد المشهد وترتبه بحنكة صديقنا المخرج، بل تعطي لعينيها الدموع وتطلق الصمت تاريخياً على شكل نحيب..!
يسجل الناس يومياً عشرات الأرقام في حساب بورصة الغلاء، بينما تسجل الأرض أيضاً تواريخ القتلى والعابرون ممن لا شأن لهم في الصراع، وتمشي الحرب إلى مصير المجهول، لا يعرف الموت كيف يكتب بألوان الجراح، تاريخاً جديداً لنا.. كل المواقف الإنسانية التي قالت عنها الأبجديات أنها سوف تكون يوماً مفتاحاً للحضارة، يبدو أنها ظهرت على أنها مجرد وهم!
ما الذي يوقفنا هنا لنشاهد التاريخ في العيون اليتمية على حدود الخوف؟ ما هي العائلة إذا بقي أفرادها كل واحد منهم في قارة؟ غربة في القول، وغربة في هجاء الحروف، نحن لم نعد نملك من تواريخنا سوى الهشاشة وجلد الذات.. أبي يحدثني عن الماضي وهو يصرّ أن أعتزل الكلام الآن على الأقل، وصديقتي تشير لي بعيونها إلى شجرة الزيتون في ضيعتها حتى أرابط هناك وأترك الحرب خلفي للشهداء والمساكين..
ماذا نفعل في ملايين الصور التي تخلق يومياً في ضميرنا وخيالنا؟ وما الذي يهم التاريخ فيما لون نصوصنا كتبت تحت القصف أم تحت القبر؟
من ضفة الساحل السوري أزفّ ملحي، وبياض الأكفان يحيط أصابعي، من قوس النصر في تدمر إلى قوس المريمية في طالع الفضة إلى مآذن الأموي في دمشق حتى مآذن الأموي في حلب.. من نهر الفرات الحزين إلى نهر بردى الشاهد علينا، أراني أفكر بالتواريخ التي سيكتبها الأطفال غداً بعد أن يزول القهر والحقد من الطرقات والسماء..
(بيروت)
20/01/2014
عمر الشيخ

أضف تعليق