
عمر الشيخ
ربما لأن طبيعة العين تفرد ارتياحاً نفسياً على هيئة ألق تترجمه ابتسامة الوجه حين تتأمل صورة تجسد خطوطاً ومنحنيات تبدو عليها حروف من لغة ذات لذة غريبة، حيث كل صورة بالأبيض والأسود تبدو كنص بصري بنكهة عاطفية تنشر في المكان شهوة الصمت حتى يطبق على أفواه البصر أبعاده الفلسفية والروحية.
الكثير من الصور الفوتوغرافية ليست سوى تسجيل للحظات التي تمر أمام العين، لكن الصورة الملونة تعبر عن كتلة واحدة تختلف لغة الإدراج والإضاءة، كل منها له توظيفه الخاص، حيث إن الصور بالأبيض الأسود تبدو أكثر صدقاً من الصورة الملونة (الديجتال) لأن الصورة الملونة قد تتعرض لعبث عن طريق الفوتوشوب على الحاسوب، في حين صورة الأبيض والأسود عندها حقوق ملكية لا يمكن تجاوزها لئلا تشوّه بتجميل مصطنع.
ثم إن شهادة هذين اللونين (الأبيض والأسود) تعد ذات بوح أقرب إلى قلب المتأمّل لإحساسه كما لو أنه حاضر في المشهد المسجل وبقوة عائداً إلى الذاكرة ليبتسم أو ربّما ليغص بدمعته، حتى لو أن الزمن لن يعود لكن الاستغراق بالنظر إلى صورة من الماضي هو كفيل بأن ينقلنا بلحظة إلى عالم افتراضي نصدقه ونثبت لأنفسنا ديمومته.. يا لها من خسارة!
لذلك حياتنا إما أبيض أو أسود على الرغم من وجود ألوان أساسية في شاشة التلفزيون، لكن جهاز الاستقبال الإنساني في قعر مشاعرنا لا يستطيع ترجمة إلا هذين اللونين لنعترف أننا بشر لا نقدر التعدي على حقوق الألوان المولودة من مزج ملعوب بجيناته إما داكن كئيب كالأصفر، أو انطوائي حزين كالرمادي أو ربّما ضائع وحيد يحب الجميع لكن لا يحبه أحد كالأحمر.. إذاً حضور بعض تلك الأشكال المثيرة للون يترك تعقيداته في الرؤيا المباشرة على الصورة، لعلها جميلة في نظر البعض، لكن من المرجح أنها لا تكشف كل شيء.
الشمس أو الفلاش هما الرداءان الشفافان اللذان يشهدان على بياض اللحظة وسواد زواياها، لا يمكننا استثناؤهما لسبب هام هو حاجة الصورة الكلاسيكية (الأبيض والأسود) إلى دمّ ينعش تشكيلات المشهد المؤسس على ضرورتهما، إذاً بالنهاية نحصل على صورة ذات صراحة علنية تقول اللحظة، وألف بائها من أساسيات التصوير، هنا لا أقصد (النيكاتيف) لكن أحبّذ الولادة الأولى للتصوير الفوتوغرافي فقط هي التي تشبهنا حتى أقرب حدّ بالأبيض والأسود فقط..!
هنا انتهى حديثي لصديقي المصور الشاب الذي ناداني بعد تركه: أستاذ لحظة.. وومض فلاش كاميرا بوجهي ابتسمت لحظتها وغادرت، لم يكن هناك متسع من الوقت لحديث صغير، قلت في نفسي تكفي ابتسامة، أمضيت ما يقارب السنة خارج البلد وفي طريقي من المطار وأنا أتصفح جريدة وجدت صورتي بالأبيض والأسود تحرز جائزة المرتبة الأولى، للحظة خانتني ذاكرتي متى التقطت تلك الصورة ولكن لدي ابتسامة جميلة حقاً أي رضى كان يغمرني وقتها..
6 أيار 2010
