#السوري ينتشر للسنة الثالثة على #الكوارث!

الأحد, 27/04/2014

بيروت 26-3-2014 (21)

نص مؤجل، كان من المفترض أن يكتبه مهاجر سوري، صورة عتيقة كانت ستخرج من عدسة شاعر قتيل، وقصيدة مفتتة لم تعرف الأمم المتحدة قضية حزنها.. أوصال مقطعة لمشهد الانتظار، هناك الواقفون على أبواب الإعانات ينتظرون الخبز وبطاقات العبور، ويكتبون تلك العبارات على أبواب النقاط الحدوديّة..!
يفكر العابرون عادةً بذكرياتهم، جدوى ما عاشوه هناك، حيث تساقطت البيوت والجدران “كنّا يوماً ما نحبّ التراب.. حتّى صار التراب مصيرنا اليومي ونحن على قيد التشرد!” يقول العجوز المنتظر دوره على باب الهجرة. ينزل ختم المُضيّ، ويلتمّ الصغار حول أمّهم، خارجين إلى جحيم المُخيمات والتعب.. الكلمات ساقطة، في حضرة الصورة، والحقائب تمدّ يديها إلى الوراء، حيث الأرض لا تزال تشهق، وخفقان أرواحها الصاعدة إلى السماء يرنّ في أبراج القهر.
كانت القصائد تلهث، وخلفها تعطس البلاد باروداً، والمدينة القديمة تفكر في الاستقالة من قِدمها! تفكر ربما، أن تصبح مدينة اللاشيء، أو مدينة العبث الدمويّ. من كان يحفر على حجارة جبالها الحروف اللاتينية، لم يعد اليوم على مقاعد الدراسة، بل على مقاعد الألم، يتعلم دروساً جديدة في الأمل، ويحترف الصراخ على شوارع كانت يوماً له..
“ذلّ بلادنا أكرمُ من إعانات الغريب” هذا لسان حال مئات الآلاف من الأسر التي غابت عن جغرافية مولدها، سحقتها الحرب المعقدة، وصهرها الخوف، تلاشت أحلام العودة، وأصبح سجل المفقودين أكبر. يتسع اللون الرمادي، وتتحول بقايا الساحات والعمارات والمنشآت والأنهار إلى مجرد أسماء بلا جسد وروح.
إذا كنتَ تتحدث باللّهجة السوريّة، يفضّل ألا تتكلم على الحواجز داخل مدن لبنان، هناك على طريق طرابلس- البترون، يرمقك رجال الدرك كأنكَ الشّبهة بعينها، داخل سيارة مضيفك، تبتسم لهم، ويمر عبوركَ على خير، بفضل وجود المضيف- الصديق. لكن الأمر مختلف في شارع الحمراء وسط بيروت، فالعمال الصغار الذين يشربون الكحول على إحدى زوايا الشارع، يستوقفهم الدرك دوناً عن الآخرين، وسط الزحام، يطالبهم بإبراز الإقامات، رغم معرفته أنهم سوريون. ثم وهو يغادرهم يهمس لزميله الدركي “بقيان شهر وبتخلص الإقامات.. رح حط أسماءهم على نقطة المصنع حتى ما يرجعوا..” وعن حسن نية نشاهد ذلك، وتعتقد أن العمّال أصحاب سوابق، سوابق في محاولات الأمل، ولكن ما تفسير نبرة التشفيّ الدركيّة تلك..!؟
الثقافة المشردة للسوري، تأخذ هوية القلق، وفي بلاد الجوار، ينتشر الأطفال والخيام، أنياب تجار السياسة والمصالحة تخترق لحم الضحايا، و(الربيع) المؤجل أصبح ترهات وخسائر، لم تزهر الحريّة في عقول السوريين. جاء الموت حاملاً خبزه وباروده وتطرفه إلى كل شيء. في بيروت كما عمّان وغازي عنتاب وطرابلس ومخيمات الزعتري، مدن وطرقات يحكمها الصراخ والخراب والغرب.. وفيها ثمة بشر على هيئة سلع، يتداولها الكبار، يغطسون في وحول الهاوية، ويبكون على أيام زمان.
يجلس أغلب من كان يعمل في (الثقافة السورية) على طاولات المقاهي، يروي هؤلاء عن قهرهم في اللحظات الأخيرة للمغادرة، منهم من تعرض للسرقة والابتزاز من المسلحين، ومنهم من خسر منزله وعمله في الكتابة الصحفية مثلاً. يتحفظ الكاتب “ن.ف” على اسمه، كي لا يلحقه المجهولون إلى ما سمّاه (المنفى القدري)، يقول: “داهمني المسلحون في سيارة على الطريق العام، أخذوا ما أملك من مال، لم يستطع أحد من الناس الاقتراب منّي، الجميع أكمل مسيره كأن شيئاً لم يكن”.
مثل ذاك الكاتب كثر، جميعهم كان يعبّر عن رأيه في نصوصهم وأعمالهم الأدبية المكتوبة والمشاهدة إلى وقت ما، ثم خسرتهم أرضهم، وأصبحت أقلامهم مجمدة، وحده الرصاص في مدننا يحكم، وحده الحزن سمة الناس في الطرقات، في حين على ضفاف المهجر يقسم الشارع إلى: صامت يعرف كل خيوط اللعبة وفضّل أن يكون مع الناس وأوجاعهم، وآخرون صنعوا من أوجاع الناس وحقوقهم مشاريع كبيرة، يديرها أعداء وأصدقاء في آن..!
في بيروت تتعامل الصحافة مع الأقلام السورية على نحو واضح، بعض الصحف تتبنى خطاب (المعارضة) وتعتبره مصيباً في كل شيء، وبعض الصحف تدعم خيار محور المقاومة وترفض كل ما يحاك ضده من مؤامرات. وعلى هذا النحو تفرز الكتابة والعمل الثقافي.
المثقفون الذين يكتبون في صحف اليسار تراهم يعانقون المتطرفين و(ينصرونهم). أمّا الإلغائيون العنصريون فيتحدثون عن الرأي الآخر وحريّة التعبير والتنوع الفكري! ويلعب المال بالمشهد الثقافي السوري الخارجي، لعبته المعقدة، حيث يشتري كل شيء، في الوقت الذي تضاعف دخل البعض في مواجهة الأزمة. فظهرت مواقع إلكترونية مثل (المُدن) لتستقطب كل تيار متوتر من داعمي (الربيع العربي) ثقافياً وفكرياً وربما عسكرياً..
هكذا تشتغل أجهزة الغرب بثقافة بيروت- السورية، وتغيّر الهوية من الجذور، في الوقت الذي تسعى فيه الدولة السورية للحفاظ على وحدة الأرض والدفاع عن الممتلكات العامة ورعاية ما تبقى من مواطنين داخل حدودها. ما العمل؟
مؤيد موسى (صحفي) هُجّر من ريف دمشق “لا يوجد مساحة تحتضن ثقافة عمل اجتماعي جديد، الترهل في المؤسسة الاجتماعية لايزال، والدماء الجديدة التي تسقط هي دماء الشهداء! ولكننا نبحث عن دماء جديدة- كوادر جديدة تدخل في أعصاب الداخل الثقافي السوري من الداخل، تعمل بدعم وطني، ربما هي أحلام، لكنها حلّ جديّ” يقول مؤيد.
الكابوس على (ما يبدو) لن يخلص، وستبقى جوليا بطرس تغني في شوارع السوريين (بحلم شوفك) يوماً ما، وهذا اليوم مع الذكرى الرابعة للحريق يبتعد أكثر وأكثر..
(بيروت)

أضف تعليق