
تستطيع أن تشتري كيلو فلافل ساخنة بلمحة عين وتحزمها للقضاء عليها فيما بعد، ولكن لا يمكنك أن تكتب سطراً واحداً للصحافة ما لم تسلم بالأمر أن الكتابة فقط مجرد حاجة داخلية وتعرف سلفاً أن الملاليم التي ستدفع لك ثمناً ربما لا تكفي لتوصيل الفلافل إلى البيت ولكن أين جوهر العبرة؟ تماماً هذا ما أسأله للناس: ماذا تنفع الكتابة عندما يرافقها ردح مستمر على أجرتها! بالتأكيد لا أقصد الكتابة ببلاش.. أقل ما هنالك تأمين حاجيات هذه العملية الإنسانية النبيلة، ولكن ثمة من يظن أن هذا الكار يحتاج لبعض (الترقيع) وبعض القصقصة من هنا وهناك للخروج بقوالب جاهزة يصب ضمنها أي موضوع يخضرّ في البال ومن ثم قطف المحصول كيفما اتفق!
الاستنزاف الفكري الذي أصاب بعض الكتاب مؤخراً جعلهم يتعلقون بصاروخ الحداثة من باب المعاصرة، حيث راح معظمهم إلى تفاصيل ذاتية لا تمسّ المعاصرة بسطر حتى يقول لك: «إن ما أكتب عنه يمثل رؤية جديدة وما بعد حداثية..» وهذا ما يقلقني للغاية، ماذا يهمّ عندما يكتب صحفي لقلوق لصفحة ثقافية دراسة شاملة لبركان من الجوانب الإيجابية اكتشفها خلال قراءته لمجموعة شعرية أولى لشاعرة مغمورة، ربمّا أثاره صوتها على الهاتف أكثر من شعرها ليفرد ما يزيد على ألف كلمة مادة قراءة إيجابية «مليون بالمئة» على عرض صفحة ثقافية يومية، عدا عن مهنته كـ(شقيع مخطط) فهو يعبث بمنبر- ربما- يلفظ أنفاسه الأخيرة، وفي آخر المطاف يفتح أمامك موشحات النقّ والردح وقلة الحيلة ومعدومية الحال حتى تدبّر له قرشين (ليطلع الاستكتاب)!..
يطالبون بحقوقهم الفكرية وهم ينفثون تخلفهم الصحفي وألعابهم الكلامية على طول الخواء، يفغرون أفواههم عندما يفلسون من كل شيء ويبدؤون موال الشكوى من قلة القرّاء، لكنهم لا يسألون أنفسهم لماذا؟ ترى هل لنوعية ما يكتبون دور في ذلك حيث يجد القارئ تسطيحاً للذهن ومراوحة في المكان خلال الموضوعات التي يصادفها وهو يقلب صحيفة ما؟ لاشك في ذلك فهم يجعلون من القارئ مستهلكاً غبياً للكليشيهات الجاهزة التي تصلح لكل محترف كتابي سواء في الكتابة عن الكتب أو الكتابة عن المحاضرات أو الكتابة عن أي شيء يخطر في البال..!
هكذا يأتي حديث الردح الثقافي على ما يسمى مشهداً وحراكاً معرفياً، فكل اثنين على طاولة ما في مقهى أو جريدة أو بار جاهزان للنيل من الجميع في سبيل صاحب العزيمة الذي سيصبح صاحب مشروع ثقافي فيما بعد، ثم من مكان آخر على الإنترنت تأتيك حملات افتراضية من أجل قضية ربّما إشكالية ولكن تناولها يأتي على هيئة ردح ثقافي أيضاً لأن أصحابها يبقون مظللين تحت أسماء مفترضة خوفاً من «كتّيبة التقارير» الذين انقرضوا منذ زمن..
ردح.. فعل صراخ تستعين به المرأة الحامل لتطلق وليدها للدنيا، وردح ثقافي فعل خواء يقوم به معظم المثقفين هنا وهناك من أجل الاستكتاب أولاً ثم من أجل الفراغ العاطفي الكبير الذي يعيشه المثقف عموماً والمثقف كثيراً خصوصاً.. ردح ثقافي من أجل المسير إلى الليالي القديمة في باب توما والتقاء معجبة مجنونة بما يسمّى كتابة رغم هالة ذاك الوهم لكنه جميل على عيوب الردح القاتلة في تفاصيله..
10-5-2010
