لقاحات اللّجنة الدستوريّة ضدّ وباء الحريّة

عمر الشيخ 22/1/2021
علّقتْ الرياض عمل بعض الهيئات المفاوضة التي تقدّم نفسها كأجسامٍ سياسيّةٍ “معارضة”، ولا تختلف هذه الخطوة عن عشرات الخطوات السابقة التي اتخذتها دولٌ تتحكّم بالمشهد السوريّ، أحياناً بداعي انتهاء صلاحيته -أي تلك الأجسام- أو إتمام مصالح تلك الدول على الأرض السوريّة.

ويكفي هنا أن نتذكّر غرف الاستخبارات العسكريّة “موك” و “موم” اللتان كانتا تداران في الأردن وفي تركيا، عبر تمويل ضخم من دولٍ عظمى كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وكانتا بمثابة عمود فقريّ لدعم الفصائل المسلحة مما كان يعرف عام 2013 بـ “الجيش السوريّ الحرّ”. آنذاك لم تكن قد نضجتْ الدبلوماسيّة في العمل “الثوريّ”، ولم تكن المناطق قد غرقتْ بزخم عسكريّ دوليّ، ولكنّها اقتصرت على تَحَرّكٍ ميدانيّ للفصائل المعارضة، حسب خطوط حمراء ترسمها لها تلك الغرفتين الدوليتين.

وعلى الأرض، كان السوريّون يختبرون “تضامن” العالم مع انتفاضتهم، وبدأتْ صفحات التواصل الاجتماعيّ -الموالية والمعارضة- تتكاثر. الألوية الإسلاميّة والمفخّخات والاغتيالات والتصنيفات بدأتْ هي الأخرى، تقتسم شكل “النضال”، وتتبادل مع الآخرين عنف السلطة ومعارضتها، وكانت فرصة النظام السوريّ مبررة لسحق كلّ منطقة معارضة بذريعة تسليح الثورة، حسب ادعائه.

وفيما بعد، أنجزتْ باقي الدول تحالفاتها الواضحة على الأرض، واضعةً نصب أعينها مصالحها الإقليميّة، حتى وصلنا إلى مرحلة “نقاط المراقبة” التركيّة والروسيّة والإيرانيّة، والدوريات المشتركة لفض النزاع بين أبناء الشعب الواحد! أضف إلى ذلك؛ الاهتمام المتواضع للولايات المتحدة بالمسألة الكرديّة وتسليحهم لزيادة تقسيم التراب الواحد. 

وكلّما كان الحليف السوري لهذه الدولة أو تلك، مؤديّاً ماهراً لدوره و “فدائيّاً” لفكرة التقسيم والدويلات والعزلة، كان الدعم يستمر إلى أن يؤسس في العمق النفسي رغبة بالتبعيّة المطلقة. ولننظر إلى تخلّي أمريكا عن “قوّات سوريا الديمقراطيّة – الكرديّة” شمال سوريا، مثلاً! وبالتالي لم يعد يمكن الاستمرار بالمواجهة العسكريّة والسياسيّة، دون دعم تلك الدول التي تقتسم سوريا اليوم بشفافيّة وتوافق ووضوح أمام الجميع.

عربيّاً؛ كان اللاعبون على الوتر السّياسي، يشبهون -إلى حدٍّ كبير- بروفات التهريج قبل النهائيّة تحضيراً للتنازلات من أجل دفن طموحات الثورة، والتخلّص من أيّ كرامة يمكن أن تجعل المشروع الوطنيّ حقيقةً، ويمثّل كلّ أطياف الشعب السوريّ. ربّما، حضر هؤلاء “العرب” بالدعم الإغاثيّ واحتضان بضع سياسيين ليس لهم وزن يذكر في الميدان العسكريّ، وهذا الأخير الذي كان اللغة المكسّرة لتحقيق المطالب مع نظام دمويّ أورث عنفه الكبير للمجتمع السوريّ في معظم مفاصله منذ مجازر حماة في الثمانينيّات إلى الآن.

إنّ مشهد الإغاثة في الشمال السوريّ اليوم، وإغلاق بعض المخيمات في تركيا وعلى حدودها، وكذلك ما فعله النظام السوري بالمناطق التي وقّعت “اتفاقيّات مصالحة”، والنقل المدروس للتنظيمات المتطرفة “النصرة وداعش” من بؤرةٍ إلى أخرى وبرعاية أمنيّة كبيرة، ليتمّ الإمعان بأنّ هذه الثّورة هي صنيعة تلك العناصر “الإرهابيّة” القادمة أصلاً من سجون النظام ومدارسه البعثيّة وبأيديهم “حبوب الاندساس” في أيّ مبادرة للحريّة والعمل السياسيّ.

وهنا بالتحديد؛ تدخلتْ الدول العربيّة بدعم الفصائل المتنازعة على إدارة المناطق، وصرنا نرى أعلام هذه الدول على كراتين المساعدات الإغاثيّة وفي المناطق -فقط- التي تنشط ضمنها فصائلهم العسكريّة التي يموّلونها، وغير ذلك؛ لم يكن لها أي دور سياسيّ يذكر، ما إن يأمر الحليف الدوليّ الذي يملك الطيران الحربيّ والعتاد الكبير، حتى تنصاع هذه الفصائل للتوقيع والانحسار نحو الشمال السوريّ حيث إدلب وأريافها.

واليوم يسجّل الانتحار السياسيّ بتجمّع الفصائل المعارضة في مكان واحد فصلاً جديداً بتحوير مسار “الثورة السوريّة”. وبعد أن تمّ إفقار السوري فكريّاً، والقضاء على حماسه للبحث عن حريّته والعمل لأجل مطالبه المحقّة، وإغراق حياته بالعجز الاقتصاديّ ومعاقبته بالحرمان من الخدمات الأساسيّة كالماء والكهرباء، ودفع ثلث سكان سوريا للجوء والهجرة، يبدو الأمر جليّاً بأنّ خلاصة الاعتماد على الآخر “الحليف”؛ هو سقوط آخر في طغيان غير مفهوم، هو طغيان الاحتلال الطوعيّ؛ فكلّ الأطراف السوريّة – السوريّة، لا تستطيع أن تفعل ما تريد لا لصالحها ولا لصالح الفئات الشعبيّة التي تدعمها.

لقد ازدادت التبعيّة في البلاد، وتحوّل أهلها إلى أنصاف كائنات بشريّة؛ نصف بيد المحتلّ، والنصف الآخر يمشي بحثاً عن الخبز والاتصال مع الأولاد في المهجر لإرسال النقود بالعملة الصعبة، ودفع الرشاوي بالدولار لمؤسسات النظام والمعارضة من أجل السفر والهروب من جحيم الاحتلالات الأجنبيّة وميليشياتها وطوائفها.

ويضاف إلى الإفقار الوجوديّ للسوريّ، صناعة جديدة، هي المرتزقة، إذ سعت تركيا لاستخدام عناصر من المعارضة شمال سوريا للقتال في أزمة “قاره باغ” الأخيرة بين أذربيجان وأرمينيا. ومثلها تفعل روسيا، التي ترسل مرتزقة سوريين إلى ليبيا، حيث قرأنا منذ أيام عن حراك كبير في السويداء لتجنيد الشباب هناك بتخطيط روسيّ للقتال في ليبيا ومناطق أخرى تتدخل فيها روسيا. وكذلك تفعل إيران، التي تجنّد المرتزقة لنشر التشيّع ومحو الهويّة السوريّة، كما حدث أخيراً في بيت الشاعر نزار قباني بدمشق القديمة، حضرتْ “مرتزقة ثقافة” وأقامت أمسية مديح شعريّة “لبطولات” الميليشيات الشيعيّة، بتوجيه من سفارة إيران بدمشق، وتمثيل لوزارة ثقافة النظام وتغطية “رسميّة” إعلاميّة.

بالمحصلة، ألا يجد السوريّ نفسه إمّا مباعاً في سوق نخاسة الدول كمرتزقة؟ أو يجري في سوق نخاسة النظام كباحث عن فرصة لتأمين عيشه؟ ألا يجد نفسه ملاحقاً في سوق نخاسة المعارضة، كمواطن يحاول أن يعيش بحريّة أمام تخبّط مدنيّ تعانيه الفصائل المقسّمة -أصلاً- بين مقاتلين في صفوف “الجيش الوطنيّ” المدعوم من أنقرة في معاركه ضدّ الأكراد، وبين “هيئة تحرير الشام” القادمة من جبهة النصرة، والمصنّفة كتنظيم إرهابيّ من قبل واشنطن والتي تحكم “بالدين السياسيّ”؟

إذاً؛ ما الفرق بين تحوّل السوريّون من أسواق النخاسة تلك، إلى أروقة الأجسام السياسيّة المترهلة برعاية من الرياض أو القاهرة أو سواهما؟

إنّ التحوّل الثوريّ للأزمة في سوريا، بات أبعد مما صُغّرتْ فيه إلى “لجنة دستوريّة”، والتي -برأيي- هي اليوم مجرّد لقاح قيد التجريب، ضدّ أيّ قرارٍ حرّ وصادق، وعليه إجماع شعبيّ وتأثير وفاعليّة إنقاذ إنسانيّ. يمثّل طموحاتِ من تظاهر، وآمن بالشارع والثورة، وضحّى بنفسه ومستقبله من أجل تنوير الأجيال القادمة للاستمرار بالنضال والعمل السياسيّ ضدّ الطغيان سواء كان بزيّه “البعثيّ” أو “الداعشيّ”!

هل قلنا عملاً سياسيّاً؟ أجل؛ إنّ هؤلاء فيما بقي من تداعيات كيان “التمثيل السياسيّ للثورة” يغيّرون “طرابيشهم” ويعطون الأولويّة في الصراع لمصالحهم الشخصيّة -على ما يبدو- تماماً كما الدول التي تدعمهم وتدعم هذه الحرب السوريّة “الإقليميّة” حتى لا تنتهي، بينما وباء الجوع، ووباء الحاجة، ووباء الخوف ووباء الاستبداد؛ أوبئة لا زالت تأتي في شكليها “معارضةً” أو “نظاماً” حسب ما يريد “الحلفاء”، وضدّ ما يطمح له السوريّون.

أضف تعليق