
تمضي إلى حتف النفي فوق صفوة الهدوء على بعد 319 كم عن #دمشق، جزيرة هادئة تراقب منها جراح بلاد #الشام وتفتت الحجارة من دموع الثكالة، شاشات الإفتراضيين مليئة بالكلام والصور وزحام الانحطاط البصري والروحي، تُـلوثك محطات التلفزيون بسموم الميديا وكريزة الأضواء والشهرة، لا يسعك جواز سفر ولا نشرة بوليسية لشؤون اللجوء، الشامتون خلف قلوبهم الضعيفة يضحكون.. ومكتبتك في #جرمانا أمانة في عنق الحبيبة..
ما الذي أقوله؟ هل أعترف بحمّى الحنين والفقد؟ هل أنتظر خبراً ذهبياً لإنهاء العنف، لأعود إلى حارات المدينة اليتيمة من العشاق والأمان؟ هل أبحث عن حرية قتل لأجلها مئات آلاف المساكين وشرد في حمرتها شباب بلادي؟ أية فاتورة تنتظرها مني الحروف المستعدة للمغادرة إلى جحيم البدء من جديد؟
الشاعر الشاب الذي قال يوماً “إن البنادق لا تقول الحق بل توّلد الطغيان..” هاهو اليوم يحمل دفتر قصائده على جبهة نارية لا هوية لها ومعركة لا ناقة له فيها ولا جمل.. محرقة اللعب التي توّجها مُحترف القذارة السياسية برؤوس آلاف السوريين، لم تعد تثير غثيان القصائد والدفاتر والحسناوت، هاهي المدينة تبحث عن كلام لم يقله أحد، ربما يفهمها الله وينهي حزنها، وصدر شوارعها يترفع عن الأيادي الملوثة بدم الضحايا ورائحة المجنزرات والرصاص والأعلام..
حين يغدو كل باب في الخيال مشدوداً إلى مشانق الرعب السوري، لا يبقى للمهجّرين طريق إلا الصراخ، لكني لم أغادر سورية بعد، حسبي أن الجزيرة اليونانية التي تحميني من أنياب الحرب تشفق على هلع عيوني وصبر قلبي سنواتٍ خمس تحت النار، وتنتظر صراخ أظافري.. حيث خلعت عنها مسامير الغول الذي كان يطاردني منذ أول رصاصة قتل فيها سوري يصرخ: لا للظلم!
ها أنا أصرخ فقط، وضيقي الذي أكتب منه يخلقني صديقاً لي، متعثراً بارتباك اللغات أقف على جهة الكتابة في حضرة البحر أسمع أصوات الذين مضوا يا ليت دفاتري تبعث نعنعاً لرقادهم العميق في عرض اللغة وشريط التاريخ المزور لإنتصارات الجلاد على الضحية.
(لارنكا / قبرص)
14 آذار 2016
