
أخلاقياً عادت القبلية ونزعة الحيوان بالتطلب إلى بوصلة الحياة اليومية لمعظم الناس، وتحول الكائن إلى قيمة استهلاكية يتاجر بها الوجع متى يريد، أزمة بشر أكثر منها أزمةُ سياسةٍ. حريقٌ تاريخي لكشف المعادن والثقافة الإنسانية، ثقافة التعامل، ثقافة الحياة، ثقافة الجنون إبداعاً من جهة، وجهلاً من جهة أخرى..
الفضيحة في طريقها اليومي تكتسي كل أشكال الحياة والموت، دفاتر الدراسة الممزقة التي رمى بها طفل إشارة المرور على جسر الرئيس، كانت جحيماً حنوناً يكبر من تنكة الدفء إلى أصابعه الصغيرة، والمدينة الفارغة من الكاميرات تسهر عليها عدسات (السيلفي) ومرضى اللقطات العابرة، هؤلاء الذين يعرفون أنهم قد يمضون بانفجار لصاروخ محلي (…) أو رصاصة طائشة.. بينما يبدو طابور البيدونات خلف باب شرقي طويلاً، وإلى جانبه رجال بأسلحةٍ ووجوهٍ قاسيةٍ يسبقون الطابور والعيون تراقبهم وتعرّي جراح البلاد الواسعة..
ثمة من يقترب من الحقيقة أكثر، ثمة من يكتب لنا يومياتٍ مؤجلةٍ، لسنا شركاء في هذه اللعبة، نحن البيادق والرقعة فقط، وجحيم السنوات الأربع الماضية يضمن لنا ألا شيء يبقى هنا سوى الكلمات! ولكن هل علينا أن نحترق حتى النخاع كي يعرف الآخر من نحن..؟
كلمات على اليافطات.. وعلى الجدران.. على قماش الأحلام.. على الأكتاف وفي العيون.. كلمات أثمانها، عدّاد نصّاب لجحيم التغيير في عراءٍ لا يرحم فقيراً أو مسكيناً أو ضعيفاً إلا ويأتي عليه، يدق رأسه بحافة تجريب الحلول..
ترفع لنا الأزمة بطاقاتها الملونة بالأسى والخوف وتضمن لنا دوام الضربات الترجيحية على غفلة من الموت.. ونرفع لها عيوننا المتسعة للذاكرة والنعوش الملونة.. تضمن لنا أيضاً دخول التاريخ من أقسى أبوابه صلباً.. ونحن نهزّ لها رؤوسنا التي فقدت أعصابها من شدة الموافقة على أي شيء حتى لو كان الحائط بيتنا والسترة أسماؤنا المكشوفة للجحيم..
دمشق 30 كانون الثاني 2015
