
عمر الشيخ – شباط 2014 – دمشق
يبدو أن ذهنية التناول الذاتي في العمل الثقافي تحافظ على لياقتها اللئيمة، فالأغلبية في هذا المشهد اليوم ينشر حوله ما شاء من مريدين، ويروّج لأهدافه الشخصية على أنها (مشروع)! وبذلك يبقى كل من ليس تابعاً ومؤمناً بأفكار هذا الكائن، خارج منظومة الجماعة الثقافية، وعليه يعود ريع العمل الثقافي إلى حظائر الحروب الوسطى، وتتفتح التطلعات إلى خارج حدود البلاد فيما يخص المنابر والكتابة، فيصعق المرء بوجود تبعيات أتعس من التي صدم بها في البلد!
تحولت كل أوهام العمل من أجل الثقافة إلى تمجيد النكرات، ورفع القبعات للتجارب المنحولة، فلان مثلاً يكلف صحفية جديدة بإجراء حوار مع مسؤول قسم ثقافي سابق، فتحتار الصحفية ماذا تسأله! هل تشير إلى فساده المالي في هدر أموال الدولة بنشره لمقالات له ولكن بأسماء مستعارة، ثم قبض ثمنها؟ أم تتحدث عن كتابه الثالث الذي سبق وأن طبعته ثلاث مرات على مدى خمسة عشر عاماً، على أنه إصدار (إبداعي) جديد!
ما الذي يحصل على الأرض، رعاع الأحداث الذين أصبحوا نجوم الموقع الأزرق ينظّرون في الفلسفة وقصيدة النثر والرواية المعاصرة، وأبطال الصمت والعمل الدؤوب ينهكون في البحث عن الحقيقة وليس هنالك من ضوء ينشر لهم أحلامهم، أحلام الإنسان ومشاغله الطويلة..
على مستوى المفردات في الشتيمة يحضّر البعض ما ادخره من سموم لكل من اختلف معه على الورق، لكل من أهمل عبثه وقسوته وقرّر الترّفع عن الردّ، هكذا، يترجم البعض حالة الصمت إلى ضعف! ويأتي السؤال: إذا كنت شريراً تجاهي، هل يفترض أن أكون أكثر شراً تجاهك..؟ بالتأكيد سوف يقف الموتورن كثيراً عند هذا السؤال وقد يذهب البعض نحو القتل بالمعنى المادي وعلى الصفحات، ربما الأفضل هو الابتعاد عن درب هؤلاء، ولكن ما الحل إذا كانت تلك النماذج هي القائمة على إدارة الثقافة في المشهد الحالي؟
المدّرس الذي قضى وقته في الجامعة يعيد ذات المنهاج لأجيال وأجيال، نجده اليوم يدير دفة واحدة من أهم المؤسسات الثقافية في البلاد، لابأس، ولكن الكارثة هي حجم الإنغلاق الذي يمارسه الرجل على نفسه في الإدارة، بدل أن يدعم المشاريع الأهلية في الثقافة، تراه يكلّف أناساً غرباء عن الثقافة للعمل تحت (أمرته) جاعلاً من المؤسسة التي يجلس على رأسها دكانة شخصية له ولمن يحبّ..
كلما توقعنا أن الحال في التغير تسير نحو حلول ما، تظهر لنا الطرقات معبدة بالرمال المتحركة، الطمع المالي بالظهور الإعلامي تارةً، والركوب على موجة الحدث تارةً أخرى، الأغلبية افتتحت سوقاً سوداء في اتجاهات العمل الثقافي!
بدل أن نقف إلى جانب أي عمل ثقافي حقيقي من لحم ودم وحياة وناس، ها نحن نبحث في مكائد الإنترنت عن فرصة لاختراق هذا أو ذاك.. فردانية القراءة، وتناول من هم الأشخاص، المقصود هنا الطباع الشخصية! لكننا لسنا بصدد تلك الإشارة، إنما المنتج الذي يصدّره هؤلاء، نتساءل عن الخصوصية، عن الاختلاف، عن التماس النوعي الذي قد يقدمه في الوقت الذي غرقت خلاله المؤسسة الثقافية في عسل الفساد والمحسوبيات.
ترى هل ستقتلنا الشخصنة في العمل الثقافي؟ نسأل ونترك لمساحة الإجابة ترجمة فعلية ممن يطمحون حقاً لأن يكون الإنسان هو هدف عملهم الثقافي، هو الضوء والفكرة وهو المعتقد والإيمان، هو الدافع لأن نعمل من أجل إنسانيتنا، قبل أن تتحول هذه المعاتل الثقافية الرسمية الكبرى إلى بازار لنقل الأموال العامة لطباعة ترهات الترجمة أو تفاهات أصدقاء مدير تلك المؤسسة، أو إبداعات ذلك الفنان الخنفشارية التي لا يفهمها حتى القبح والاستسهال..!
