تحقيق: عمر الشيخ
الأربعاء, 04/12/2013
دائماً كان الاختلاف يأتي من خارج الإبداع الرسمي في أي مؤسسة ثقافية، والدليل أن معظم الكتّاب المبدعين لم يكونوا على علاقة حسنة مع المؤسسة الرسمية، وهذا لا يعتبر تعميماً، لكن الواقع هكذا، فالمسؤولون عن نشر الكتب في الدوائر الثقافة المختلفة، في كثير من الأحيان لم يكتبوا مقالاً واحداً في حياتهم إلا حين أصبحوا مسؤولين!.
منذ عقدين تقريباً، فرض على القارئ المهتم بالشأن الثقافي تقسيم وقته بين: البحث عن أسماء جديدة ليست تابعة لمكتب تنفذي في اتحاد الكتاب أو مجموعة موظفين في مديرة ثقافة مثلاً، وبين اقتناء مطبوعات ثقافية مختلفة في الجوهر والأفكار قد تصدر من الجوار.. لكن الإغراق اليومي بالتنظير من خلف المكاتب، دفع معظم القرّاء إلى صفحات الإنترنت لاقتفاء أثر النصوص المختلفة والقراءات النقدية المهمة، فالموظفون في وزارة الثقافة من متقاعدين وأصدقاء متقاعدين، من مسؤولين ومن حولهم، يعتقدون أنه من الضروري جداً أن يكتبوا في المطبوعات التي تصدرها مؤسستهم، حتى لو كان ما يكتب هراءً وحشو كلام.
ثمة من يجري حواراً لمسؤول رسمي في إدارة الثقافة، يصوره لنا كأنه الفاتح باسم التغيير الذي سوف ينقذ الثقافة من تدهورها اليومي، ذاك ومثله كثر، ربما نجدهم في مطبوعته الخاصة يشتمون وينتقدون ويحسبون على تيارات فكرية مهمة، لكنهم في أحسن الأحوال يُبيّضون صفحتهم لدى هذا المسؤول أو ذاك، وكله على حساب منظومة العمل الإداري الرسمي في مؤسسات الثقافة السورية.
قرب مقهى الروضة وسط دمشق، بينما الطرقات المزدحمة تمسح عنها عرق الانتظار، نجد عادل بائع الصحف الشهير يفرد على الجدران بعض المطبوعات المحلية، إضافة إلى بعض عناوين الكتب، تلك التي تأتي عادةً مع المجلات الثقافية الضخمة، تنشرها مؤسسات عربية تهتم بالثقافة وتفتح ببذخ أموال طائلة لتنشر أعمالاً أدبية مهمة مثل (سلسلة المسرح العالمي) و(سلسلة عالم المعرفة)، بعض القرّاء يقفون لدقائق أمام بسطة عادل، من بينهم نجد وليم باري (جامعي 23 سنة)، كان يبحث عن عدد من مجلة (نزوى) الثقافية الفصلية “تشمل هذه المطبوعة نخبة من الأسماء العربية في الأدب: أهتم كثيراً باقتناء هذه المجلة، وأحاول أن أحتفظ بنسخها جميعاً منذ حوالي أربع سنوات، لأني مدمن قراءة، ولا أجد هنا ما يلفت” يقول وليم.
لكن زميل له كان يسأل عن مجلة الموقف الأدبي التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب بنسخته الحالية وكتّابه ذاتهم، يقول: “بصراحة أنا لا أريد مجلة الموقف الأدبي لسحرها، لكني أبحث عن كتاب جيب صدر مؤخراً مع هذه المجلة، وهو مختارات للشاعر السوري الراحل حامد بدرخان، لا يمكنني شراء الكتاب إلا مع المجلة..!” يروي الشاب العشريني بسخرية عن معنى أن تصبح مجلة عريقة مثل الموقف الأدبي عبارة عن استكتابات مخصصة لأعضاء اتحاد الكتاب العرب: “نحن لا نمتلك مقدرة على صناعة مطبوعات ثقافية تستدرج كل التيارات الفكرية والثقافات المتنوعة، يبدو أن المفهوم الرسمي للنشر الثقافي داخل تلك المؤسسات، يكمل دورته بجعل هؤلاء مجرد موظفين متواجدين على رأس هذه المطبوعات..!”
تحت جسر الرئيس قرب نهر بردى في دمشق، تجد مكتبات الرصيف تعجّ بالعناوين القديمة لمطبوعات مهمة مثل مجلة شعر، مجلة الناقد، مجلة فكر، صاحب إحدى المكتبات هناك ويدعى (أبو علاء)، نسأله عن أرشيفه للمطبوعات المحلية التي تصدر عن وزارة الثقافة، يبتسم الرجل ويعلّق “نبيعها هنا بالكيلو..!” بينما يتذكر قصة كاتب شاب في منتصف الثمانينيات “كان قد نشر بعض المقالات في صحيفة محلية لكن أحد العاملين في تلك الصحيفة وجد أن نجم هذا الكاتب قد يلمع بسبب اختلافه عن مجمل ما ينشر، فحاول أن يدفعه خارج المنبر” يقول، ويرى أن الثقافة تراجعت منذ تحولت مكاتب المؤسسات الثقافية إلى إدارة وظيفية لا تهتم بالأنشطة الثقافية الأهلية ولا تدعم الأسماء التي تأتي من خارج المؤسسة الرسمية “يمكنك أن تجد هنا أرشيفاً لمنشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي كما كانت تسمّى، كتب مهمة كأعمال صدقي إسماعيل وترجمات أدونيس.. في تلك الأيام كان للثقافة وزن وكان مثلاً زكريا تامر ومحمد عمران في منتصف السبعينيات هما جزء من فريق تحرير الملحق الثقافي لجريدة الثورة الذي أغلق مؤخراً بسبب هزالته وضعفه..!”
لا يمكنك أن تجد خروجاً عن المألوف وأنت تبحث في المطبوعات الثقافية الرسمية حتى ما قبل الأزمة الحالية، الصحافة الثقافية هنا تشبه النشرات الحزبية الداخلية، فريق المؤسسة يعمل ويحسب عليه تسديد جزء من حجم عمله، لا ننكر أن ثمة مؤسسات ثقافية فرّخت كتّاباً وصاروا محسوبين عليها فيما بعد، لكن هؤلاء الكتاب لم يتميزوا إلا بعد تخلصهم من مهارات الحشو العابر لأي كلام في أبحاثهم. لايتوقف الشجن عند هذا الحد، فالمحرر (رفض ذكر اسمه) في مطبوعة أسبوعية يملكها دكتور ومهندس ورئيس فعلي لعشرات الشركات التجارية، يشير إلى “حجم استثمار العلاقات لدى بعض المسؤولين في الحقل الثقافي، وتحويل هذا الاستثمار لصفقات مديح، ينتج عنها لاحقاً، دار نشر تطبع لهذا وذاك كل الترهات التي يكتبوها، مقابل ترك رسالة تبجيل وعرفان لصاحب المشروع الثقافي (التاجر) أساساً، الذي أصبح باحثاً بقدر أمواله، وتلك الأسماء أنتجتها عقلية دمج الموظف بشخصية الكاتب بأي طريقة..!” ويلفت ذات المحرر إلى تحول الموقع الإلكتروني لتلك المجلة إلى منافذ إباحية تسوق الثقافة عبر تبويبات (فن ونجوم) التي تنشر صوراً (بورنو) مثيرة، حتى تسوق اسم الموقع في الانتشار، وبالتالي طقم الكتاب القادم من تلك المؤسسة الخاصة أو العامة..!
وفي شهادة أخرى من أحد العاملين في مجلة الأسبوع الأدبي، حيث يشاهد نماذج كثيرة من المثقفين الذين لا زالوا يظنون أن ثمة أملاً من الوقوف في منابر لم تعتمد سوى على أعضاء الاتحاد وبعض النصوص المختلفة التي تنشر بالصدفة “أن يمتلك الموظف في إدارة الشؤون الثقافية مقدرة ذكية على الإدارة واستيعاب الجميع واقتراح الأفكار الحديثة، أفضل بكثير من تحوله إلى كاتب مقلّد! يقبض من الدولة ثمن حبرها وإشغال مكاتب مؤسستها بهذيانات لا طائل من نشرها..”.
الأخبار القادمة من أحد مستودعات مجلة المعرفة الشهرية، تشير إلى أن المطبوعة تتكوم منذ سنوات وتطبع بالآلاف دون انتشار يذكر، لكن أحد معاوني وزيرة الثقافة أكد على صفحته في فيسبوك أنه على استعداد لتبني أي مقترح من شأنه تطوير عمل النشر الثقافي ضمن مجلة المعرفة.. وتأتي هذه الدعوة في إطار محاولة ترميم البنية الإدارية في الوزارة والتي تتطلب احتكاكاً مباشراً مع أصحاب الشأن الثقافي من مختلف الأعمار، وهذا تماماً ما يحاول معاون الوزيرة ذاته أن يفعله.
لا نجزم أن بعض المؤسسات كرّمت مبدعين كثر ومنحتهم مكاتب ضمن ملاكها ليستمروا بإنتاجهم، لكن تلك الحركة النادرة لم تعد اليوم إلى النشاط، بل وبسبب الفوضى، تجد كل مسؤول (يدحش) قريبة له أو قريباً في مؤسسة إعلامية أو ثقافية من باب (ماحدا فاضي لحدا)!
ترى ما الصيغ التي تعتمد في وزارة الثقافة لانتقاء موظفين للعمل في الحقل الثقافي؟ هل ستبقى على قطيعة مع المثقف خارج حدود إدارتها؟ وإذا أرادت أن تفعل تغيراً حسناً وفعلياً ألا يجدر بها أن تكون أول الحاضرين في افتتاح فعاليات خاصة ثقافية؟ على الأقل حتى تؤدي واجبها تجاه الثقافة والمهتمين..
إن الاعتقاد أن انتقادنا لأداء الثقافة الرسمية هو مجرد تحريك صحفي وحسب، لن يقدم حلاً، على الوزارة فتح أبواب النشر للجميع، وألا تعتمد ثوابت في النشر تخص أبناءها المعتمدين من المثبتين وسواهم.. في الكواليس تم الإعداد لعودة مجلة شرفات الثقافية الغنية، ولكن هل ستعود كما كانت، أي هل من الضروري أن تبقى زاوية الوزير في الصفحة الأخيرة حتى لو لم يكن لديه ما يكتبه؟ هل سوف تتدخل أصابع معينة لضمان استكتابات مستمرة لأسماء وهمية تنشر مقالات على مبدأ القص واللصق..؟
جريدة النهضة

