الأرشفة.. سؤال الذاكرة والتوقف عند لحظات الدهشة: من يوثق؟

صورة

تحقيق: عمر الشيخ

الاثنين, 09/12/2013

لو ابتعدنا قليلاً عن مفهوم الأرشيف المؤسساتي الذي تعمل عليه الجهات المنظمة لحياة الإنسان في أي مجتمع، من مواصلات وكهرباء وتموين واتصالات وخدمات.. إلخ، وبحثنا عن جواب لبعض التساؤلات التي سوف يطرحها الجيل الجديد، بعد هضم كلام نشرات الأخبار والبرامج الحوارية وشيء طفيف من الأفلام الوثائقية المبنية على أسس مسبقة قد لا تعني الجميع.. بعد هضم كل ذلك، يحتار المشاهد أو المتلقي أو الباحث من أين يقرأ الحياة التي كانت اليوم، فيما بعد، كيف يتناول مفاصلها بعيداً عن الشكل الرسمي والسياسي الذي قد تفرضه أنظمة الحكم في البلدان، نحن نوجّه السؤال هنا للإنسان الذي يتبع فطرياً للعاطفة والذكريات وربما الأشياء المضحكة في حياته..
هل تحتفظ بخبر نشر في جريدة ما عن اكتشاف أثري أو حدث تاريخي مهم؟ هل لديك صورة قديمة لجسر فكتوريا قبل إزالته؟ هل تعلم أن نهر بردى كان منذ مئة سنة يشق مدينة دمشق بمخطط جمالي أسطوري؟ ماذا تتذكر من مدينة معرض دمشق الدولي القديمة، هل لديك صورة أو فيديو حول ذاك المكان الآسر؟
منذ تذكرنا للحوادث الأهم التي عشنا بها، ومشهد المكان يقف إلى جانب التذكّر، يخرجه عن طوره، ويحيلنا إلى أسئلة الصدمة، البعض كان قد صوّر وانتهى الأمر بالنسبة له، وتقتصر الحالة على تذكر بعض الصور، بينما الأغلبية الساحقة لم تصور كل شيء، لم تؤرشف، كان طموح الباطن الروحي للكائن أن تبقى الأمكنة على ما هي، والذكريات معلقة إلى جانبها، يستحضرها متى يشاء، ولكن لم يكن بالحسبان أن تتعرض تلك الأمكنة إلى نسف جغرافي تام، إزالة معالم الكثير في المدن والبيت والشوارع وحتى الحدائق العامة، يجعل التاريخ بالنسبة للناس مجرد تزوير، على الأقل دعونا نصوّر ونكتب عن الأمكنة والمناظر التي سوف تمضي، كي لا ينقص من عمرنا محاولة فرح صغيرة..!
هل هنالك مؤسسة معنية بالتوثيق في البلاد تكون بمثابة مرجع تاريخي؟ الحضارات على مرّ العصور، كانت في طريقها للاندحار لولا التوثيق، ترى بالنسبة لنا في الوقت الحاضر وفيما بعد هل هنالك من يوثق شهادات الحياة التاريخية كي يستفيد من أخطائها الجيل الذي يلي هذه الأجيال؟
الصورة هي أكثر الجهات جذباً للتوثيق، أو لنقل أقربها صدقاً للناس، فالكتابة قد تحتمل تزويراً إلى حد كبير، بينما الصورة والفيديو لا يمكن المساس بعتقهما، بقوتهما الإقناعية، كما نشاهد كل يوم آلاف الفيديوهات في الحروب الإعلامية، لا نشاهد فيديوهات عن توثيق لحظات إنسانية بعفويتها وأثرها الروحي لدى الناس.
الصورة إذاً هي الوثيقة وهي المصدر، ولكن لماذا؟ يعتقد الكاتب الشاب أحمد باشا أن العلاقة مع الصورة تشبه إلى حد بعيد العلاقة مع الذاكرة “بقدر ما نحب تاريخنا وذاكرتنا نحن نحب صورنا… وأجمل الصور هي التي نصادفها بعد زمن دون تقصدٍ مسبق بتوثيق لحظةٍ من تاريخنا تكثفها الصورة” يقول. أما الرعب من صورة فهو أمر “لم أعشه شخصياً، ربما، لكوني أعيش نوعاً من التصالح مع تاريخي ومع ما وثقّ من تاريخ. ومهما يكن من أمر الرعب من صورة، فهي لا تتجاوز، في نظري، لحظةً أدبية أكثر منها واقعية”. يضيف.
يجلس الناس أمام التلفزيون لساعات طويلة، وثقافة التلقي الصامت التي تأتي على كل جدل فكري، تتلاشى، ويصبح للصورة تأثير عكسي لا يفهمه البعض، قد يتعلق بأمزجة فهم ومساحات ضيقة تفرضها المحطات التلفزيونية وسياستها، وقد يذهب البعض الآخر باتجاه الضرورة التاريخية إلى أقصاها.. ولكن كيف يكون ذلك؟ يقول الشاعر السوري أحمد حافظ “حين تغمر الشاشاتُ غُرَفَنا بالدماء، يصير الرصيف سفينةَ نُوح.” والقصد قد يذهب نحو التشوه التاريخي للرعب المصدر من صور الأخبار ووجوه المحللين وكمية الدفق الإعلامي والترويجي الذي تسعى إليه سياسات ما.. كل ذلك هل بقي للإنسان ووثائقه مع الأمكنة أية حضور؟
ترى سناء غانم (مصورة فوتوغرافية) أن لعبة التوثيق، كما تسميها “هي مقدار ثقافي من التمعن بنمو المشهد الحياتي، فكلما ازدادت مكتبات المدن التي تؤرشف المهرجانات والاحتفالات ومعارض الفن والأدب وفعالية العلوم الإنسانية، كلما كان للفرد أهمية في كل ذلك..”. الأرشيف البصري من مهمة الناس، على ألا يتخلوا عن ذاكرتهم وذكرياتهم.. أمكنتهم وتواريخ حياتهم.. “مكتبات الفيديو التي يمكن أن تجدها في بلادنا تهتم بالمناسبات الرسمية والاحتفالات وما شابه، ولكن يغيب عن تلك المكتبات حضور الإنسان، إلا إذا اعتبرنا بعض الأفلام الوثائقية الفقيرة في مكتبة التلفزيون كافية لتقدم تاريخاً موجزاً عن مراحل اجتماعية وثقافية مرّ بها الإنسان السوري على الأقل”.
الأزمة الراهنة أعادت لعيوننا الخوف على مصادر عملاقة تخص الأرشيف التلفزيوني الوثائقي الذي يرصد آخر مئة عام وربما أكثر من تاريخ البلاد، معظم تلك المكتبات الضخمة تقع في مناطق ساخنة، لا يعرف ما مصيرها حتى اليوم، وهذا تماماً ما دفعنا للتساؤل فيما لو قامت الحروب: ما الذي يضمن للتاريخ ألا يشوّه أو يختفي فيما لو كان لدى أغلب الناس أرشيفها الخاص..؟
يعتقد زهير موفق (فني مونتاج) أن الحياة تعاش مرة واحدة “لماذا ننشغل بكل هذا الوجع من توثيق؟ هل نعيش هكذا مرتين؟ في المونتاج أو المعالجة الفنية للصور والفيديو يمكن أن تنشئ نسخاً طبق الأصل فيما لو الأصل مشوّه.. تضيف تحذف تحسّن..! اليوم يجدر بالتوثيق أن يذهب نحو طباعة الوثيقة والاحتفاظ به في آن، على أن تكون الحافظة لنسختين واحدة إلكترونية على الإنترنت، والثانية حقيقية في متناول اليد، ولكن من يهتم لكل هذا الآن؟” سمعنا كثيراً عن مشروع أتمتة صور للمتحف الوطني بدمشق كثيراً. البعض يقول: “إنه مشروع قيد الدراسة ويحتاج إلى ميزانية ضخمة وعمل دقيق.. الأزمة أخّرت هذا المشروع وجعلت القائمين عليه يتريثون لحسم ميزانية مالية تتماشى مع الحصار الاقتصادي على البلاد”.
من الهواية إلى الحاجة، يطلعنا عاصم نجها (78سنة- موثق صور) على أشرطة صور لأول فيلم سينمائي عام 1928، ويشير إلى حجم التلقي الجماهيري لهذا الاكتشاف الثقافي العظيم الذي غيّر من ثقافات الشعوب، حسب تعبيره، وأعطى للحياة نكهة المغامرة. يفرد الرجل أمامنا الصور التي لا تتعلق بحياته إطلاقاً، إنما توثق لمرحلة إنسانية جديدة تقودها الثقافة والتقنيات ولو كان ذلك منذ ما يزيد على ثمانين عاماً. لا يتوقف نجها عند صورة وأخرى إلا تلك التي ترتبط بشكل مباشر بذاكرته الشخصية: “هذه الصورة تعود لمنتصف الخمسينيات، حينها كنت لا أزال أعمل في تحميض الصور وكنت في الخامسة والعشرين من العمر، أبدو مضحكاً قليلاً بثيابي الزرقاء، غرفة التحميض تلك تعيدني شاباً بمجرد أن أشاهد هذه الصورة وأنا أبتسم فيها وبين يدي شريط فيلمي لأحد الزبائن” تظهر الصورة وقوف عاصم على آلة قديمة لقص وترميم الصور يعود تاريخ صنعها إلى أكثر من مئة عام، يتحدث عنها كأنه يعيد تنشيط روحه، مسكوناً بعبرات الماضي وروعتها.
في مكان آخر يتعلق بالتسجيلات الصوتية، يهتم أبو رائد (صاحب محل تسجيلات) بأشرطة الكاسيت وبالانتظار الساحر، كما يقول، الذي يرافق سماع تلك الأشرطة، لديه أشكال مختلفة للكاسيت، من حيث الحجم والمنشأ وطبيعة ما سجل عليه، حيث يروي لنا “هذه الآلة تقرأ تسجيلات أشرطة البكرات الإذاعية التي كانت في إذاعة دمشق حينما بدأت بثها من شارع النصر، ولدي أيضاً تسجيلات على أشرطة كاسيت لأول لقاء لعبد الحليم حافظ على الإذاعة نفسه.. أحب أن أوثق الأصوات أكثر من الصورة، فهكذا أترك لخيالي رسم صور عديدة لمن أحب من أصدقاء وعابرين في حياتي تركوا أشياء ثمينة لا تقدر بثمن..”.
اليوم من يؤرشف لنا؟ اليوتيوب قد يحفظ في مكتبته شيئاً لا بأس به على الإنترنت، لكن نصف الناس في البلاد لا يعملون على الإنترنت إلا للتسلية وتقضية الوقت! هل نطالب بإحداث هيئة افتراضية عامة لأرشيف اليوميات الإنسانية التي تعاش؟ بحلوها ومرها.. بكوارثها وخيباتها.. بانتصارات الإنسان على اليأس وبنجاحته في تطوير محيطه الإنساني والثقافي..!

جريدة النهضة

أضف تعليق