تسويق الأدب.. هل يتحوّل الإبداع إلى سلعة؟

صورة

تحقيق: عمر الشيخ

الدعوة للبحث عن جمهور قارئ هي أحد كوارث الطرف الآخر من النص، الكاتب يفرغ ما يحلو له من خيال وانفعالات ضمن سياق أدبي، ويبقى المنتج أمامه لسنوات، ربما ينقرض ولا يصل! نحن أمام جدلية تحويل الإبداع إلى سلعة، بالتالي فرض وجود منتج دوري لتسويقه، ترى هل تحول النقاش هنا إلى الجانب الاقتصادي؟ لا أدري من أين يمكن لموضوع تسويق الأدب أن يبدأ، من دور النشر؟ من مؤسسات الثقافة؟ من الكاتب نفسه؟ أم من القارئ؟
تلعب بعض الأمسيات وحفلات التوقيع دوراً مهمة في نزع كينونة الإبداع من الانتظار، إذ نضعه أمام المتلقي بشكل أو بآخر، إمّا عبر بيع الكتب في طبعات جديدة وبتوقيع الكاتب، أو عبر تقديم مختارات لذاك الكاتب أو الكاتبة في إحدى الأمسيات، إضافة إلى خصوصية النصوص وتميز شكلها ومضمونها، يبقى التسويق هو العامل الأهم لوصولها حتى إلى التشريح النقدي. ترى هل يمكن اعتبار تسويق الأدب ضرورة يجب إعلانها بشكل مستمر؟ أم أنّ الإبداع هو من يجد قارئه حين يكون مختلفاً؟

تسويق منهجي
الأدب لا يحتاج إلى تسويق أو ترويج أو بهرجة وزخرفة إعلامية، يقول محمد الحوراني (كاتب صحفي)، لأن الأدب بكل أنواعه، قصة- شعر- رواية، يسوّق نفسه بنفسه عند المهتمين والمحبين للأدب، بيد أنه -وفي ظل حالات الصخب الإعلامي والفضائي والإلكتروني، والفوضى اللامعهودة، غدا الأدب بحاجة إلى ترويج بكل الأشكال الممكنة: “البعض لم يعد يجد الوقت المناسب للجلوس مع أصدقائه وأحبابه، وحتى أهل بيته في كثير من الأحيان، فكيف له أن يجد الوقت لمتابعة ما يُكتب هنا وهناك، أو ما يتم تنظيمه من فعاليات أدبية وثقافية؟ وهنا يغدو من الضروري العمل على تسويق الفعاليات الأدبية، وتسويق المنشورات الأدبية” وهذا برأي الحوراني غير مُضرّ على الإطلاق لا في الأدب ولا في محبيّه، بل على العكس تماماً، فكلاهما يساعد الآخر على الانتشار وكشف الجوانب السلبية قبل الإيجابية، وبالتالي فإنه يؤسس لحالة أدبية متميزة ومتفردة: “طبعاً هذا إذا كان النقد مبنياً على أُسس صحيحة وقويمة من شأنها أن تبني لا أن تهدم. والحقيقة أن المشكلة في المشهد الثقافي والأدبي والإعلامي، إن التسويق والترويج الإعلامي لا يقوم في غالبه، إلا على المصالح بعيداً عن حقيقة النص وجمالياته وإبداعه، وهنا تكمن المشكلة، فلنعمل على التأسيس لتسويق أدبي منهجي صحيح قائم على الموضوعية والمصداقية في كل الفنون الأدبية والجمالية” يضيف.

ضرورة
بينما يؤكد علي سفر (شاعر وناقد سينمائي) أن الأدب يحتاج إلى تسويق، وهو بالأصل كان مادة عرضة للتسويق منذ العصر الجاهلي: “هنا نتحدث عن الدعاية التي تنشر صيت الشاعر بين أعيان القوم ممن كانوا يجودون بالأعطيات على الشاعر الذي كان يبرع في القول الشعري مدحاً أو وصفاً وغير ذلك مما تمت تسميه بالأغراض الشعرية.. وحتى زمننا الحالي ومع غياب العلاقة التسويقية السابقة بحكم التطور، نحن مازلنا عرضة للتسويق بوصفه إمكانية لإيصال النص لأوسع شريحة من القراء”.
غير أن آليات التسويق باتت هي مادة التفكير، حسبما يرى سفر، فقد تم التسويق للكثير من المنتج الأدبي بناءً على الحامل الأيديولوجي: “حتى إن الكثير من النصوص الجيدة فنياً تم تسويقها ونشرها بين جمهور القراء عبر البوابة الأيديولوجية، مما عرّضها لآليات استهلاكية أساءت للنص ومبدعه، حتى وإن كان بعض المبدعين قد راق لهم الأمر في وقته.. وفي نفس المقام حملت لنا وزارات الثقافة العربية الكثير من الأسماء باهتة الملمح إبداعياً.. والتي لم ينفع معها أي شكل من أشكال التسويق” يضيف.
ويعتقد سفر أن التسويق بالأصل يهدف إلى خدمة السلعة، لكنه يتساءل مستدركاً: “هل من السوي أن يتحول النص إلى ما يشبه المحارم الورقية، حين يتم دفعه قسراً إلى الواجهة، دون أن يمضي في سياقه الطبيعي، وأقصد آليات التلقي النقدي المدروسة والمبنية على احترام حرية القارئ في الوصول إلى مايريد..؟”.

منذ زمن
يحيلنا فخر زيدان (شاعر) إلى أيام الجاهلية حيث كان لكل شاعر راوية، يحفظ شعره ويقرؤه على العرب في مجالسهم والمناسبات، وكان ذلك بمثابة وسيلة إعلامية تسهم في نشر أخبار الشعر والشاعر وكان ذلك يساهم في إذاعة أخباره وانتشار اسمه، وكانت الرواية الوسيلة الإعلامية المتبعة آنذاك.
يروي زيدان حول تطور انتشار الأدب أيام زمان حتى اليوم قائلاً: “لم يكن في ذلك بأس، بل على العكس من ذلك، لكن مع حضور وسائل الإعلام الحديثة وتطورها أصبح من الطبيعي أن تكون حاملة لبث النص الأدبي بين القراء وبالتالي إحداث عملية التفاعل والنقد والقبول والرفض وقد أسهمت الصحافة والإعلام عموماً في تحويل الكثير من الأدباء الى أدباء عالميين من خلال نشر نتاجهم وترجمته إلى لغات العالم، وهذا نشاط لابد منه ثقافياً واجتماعياً لتداول الإنتاج الفكري عموماً والأدبي منه، وبالطبع نالت النصوص الأدبية الجميلة حظوة لدى القراء، وهذا أيضاً يعتبر نتيجة طبيعية لتلقف نص جميل فيه من الإبداع وملامسة حساسية البشر وقضاياهم إن كانت حدثاً واقعياً، أم كانت دوافع جمالية تكمن في كل منا فتتنفس من خلال نص مبدعٍ جميل.”
ويضيف زيدان: “ومع هذا الدور النشط للإعلام حاول الكثير من الأدباء والشعراء استغلال هذه الشبكة ورقية كانت أم إلكترونية للترويج لأعمالهم، سواء أكان من خلال النفوذ عبر وسيلة إعلامية أم من خلال توظيفها بشكل أو بآخر عبر أصحابها أو كتّاب يرتضون عملاً كهذا، وقد تناقلت الصحافة أكثر من خبر عن جملة من أعمال الترويج المقصودة، حتى الشاعر نزار قباني والذي برأينا لايحتاج شعره إلى تسويق بمعنى لغة السوق اتهمه البعض بأنه يدفع مبالغ مرقومة لبعض النقاد كي يتحدثوا عن شعره ويكتبوا عنه”.
نستطيع القول: إن الأدب نص صامت يفتح ثغره بالكلام في أثناء وجود قارئ له، فلا بد من إيصاله إلى الكلام -أي القارئ- وهذا حق أدبي وأخلاقي لجميع المبدعين فمن حقهم على الإعلام الترويج لأعمالهم ونشرها كي تنال فرصتها في الوصول، يؤكد فخر زيدان: “هذا يختلف عن لغة التسويق والترويج كبضاعة، فالنص الجميل يصل إلى الناس عبر أدواته وقدرته كطاقة على التأثير في القارئ، لكن المشكلة والإسفاف في أن يتحول هذا الحق إلى سلوك سوقي بالمعنى الاقتصادي ومايستتبع ذلك من ترويج ودعاية وتحميل النص ما لايحتمله وربما على حساب وإزاحة نصوص أحقّ وأجدر.. هنا ينبثق السؤال الأخلاقي ومعيار القيمة في تسفيه الجهد الفكري واستخدام الترويج الرخيص لبضاعة من المفترض أن تكون نفيسة تصل بهدوء إلى ضالتها، وهنا يتضح الفصل بين حق المبدع في حصته من الإعلام وبين الاستيلاء على الإعلام بأكثر من وجه، وهي قضية تحتمل الخساسة والاستبداد والترويج لفكر دون غيره أو لتنحية أفكار أخرى أو غير ذلك من مرامي الترويج والتسويق والتنحية التي ترافقها لنصوص أخرى أو إبداعات تُحرم من نصيبها في القول والحضور وهذا حدث كثيراً عبر تاريخ الإعلام الذي خضع لسياسات أحادية حرمت القارئ من أدب وفكر مختلف وغاية في الجمال، ومن هذه الزاوية نرى معايرة المسألة وقبولها أو رفضها بحيث يبقى الإعلام كوسيلة تسويق نظيفة للأدب والفكر عامة”.

مانيكان
سؤال تسويق الأدب برأي بكر الجابر (شاعر) يواجهه الكتّاب الصاعدون “تشعر بقهر إنساني إن لم يصل صوتك، كما تشعر بقهر إنساني إن تم التسويق لأدبك على أنه سلعة! كُتّاب (رديئون) وصلوا إلى عدد كبير من القرّاء بسبب التسويق وتراهم فرحين بذلك، شخصيّاً أشعر بخجل شديد وبغصّة إن قام شاعر أو كاتب موهوب بالسعي إلى التسويق التجاري. أشعر بأن من حقه أن يأتيه المجتمع المحيط ويطلب منه نتاجه، أقصد بالمجتمع المحيط هنا الأشخاص ذوي العلاقة”.
ويضيف الجابر: “كون الإنسان شاعراً يعني أنه مرهف الإحساس ذلك يعني أن التجارة ليست لعبته، الوطن والنساء والليل أشياؤه، لغته أداته، ولا طعام له غير نفسه… دائماً أبحث عن اللحظة التي أوصلت الأدباء الكبار الحقيقيين إلى الجمهور، هل سوّقوا أنفسهم؟ كم من شاعر كبير للغاية بالمعايير الشعرية والإنسانية مات ولم يعرفه أحد”.
في الحقيقة لا نستطيع إنكار أن التسويق يُفقد الأدب شيئاً من قيمته الإنسانية، كما يرى الجابر، الذي يتساءل بدوره: “كيف لي أن أكتب وجعي وقهري ثم أقرع الأبواب كي أبيعه، لكن بالمقابل كيف لأحدٍ أن يسمع هذا الوجع؟ ربما إيجاد حل وسطي بين التسويق التجاري والحياء الأدبي من الممكن أن يحل شيئاً من المشكلة. كيف؟ لا أعرف، كل ما أعرفه أنّ من حق الكاتب الحقيقي ألا يضطر لعرض نفسه كـ(مانيكان)”.

جريدة النهضة

أضف تعليق