ديما الخطيب – جريدة تشرين
9أيلول 2014

يبدو أن ظاهرة هجران المراكز الثقافية قد بدأت رقعتها بالاتساع، ومرةً أخرى، بعيداً عن رتابتها وقلّة زائريها، اختار الشاعر عمر الشيخ أن يوقع كتابه الثالث السبت الماضي في ملتقى «أضواء المدينة» في مقهى نينار بباب شرقي في دمشق.
«مباشر من جزيرة المونتاج» كان العنوان الذي اختاره الشاعر لكتابه الثالث الذي وثق فيه حالاتٍ فردية من الحب والانتظار والأمل والوحشة..
كاتب لإحدى خماسية «استعداداً للرحيل» في مسلسل «الحب كله» كان أصدر ديوانين شعريين هما «سم بارد2008» و«متى أصبح خبراً عاجلاً2010».
عن ديوانه الثالث يقول عمر الشيخ: «مباشر من جزيرة المونتاج هو العمل الشعري الثالث لي، كتبته بين عامي 2009-2010 وهو في معظمه قصائد مؤجلة من سنوات سابقة، أما القصائد التي كتبتها مؤخراً فلم تنشر بعد، بسبب الأحداث التي تمر فيها سورية، التي أدت إلى تأخير الطباعة».
ويتابع الشيخ: «الخط الشعري الذي كتبت به قصائد هذا الديوان يختلف تماماً عن الخط الشعري الذي أكتب به الآن مع مطلع 2012م في العامين الآخرين، ولكي تبقى عند القارئ سلسلة متكاملة، أصدرت هذا الكتاب تمهيداً لإصدار القصائد الجديدة بالخط الجديد، كي لا يتراءى للقارئ أن هناك نقصاً في اللوحة المكونة عن المحاولة الشعرية التي أعمل عليها».
وعن أهم الموضوعات التي يتناولها الكتاب وما يميزه عن الدواوين السابقة يقول الشيخ: «الكتاب ذاتي بامتياز، يحمل بمعظمه مشاغل خاصة عن الحب والوحشة والانتظار، وهي نصوص مكتوبة عن الذاكرة، أكثر مما تتناول الحدث الآن، وفي الجزء الأخير منه، نرى شيئاً مختلفاً جديداً لم أجربه قبل بعنوان «status» أو حالات وهي من وحي المرحلة، كتبتها بمطلع 2010، وهي تجسيد لما يُعرف بنص الومضة الشعرية في الشعر السوري، والتي هي صورة شعرية متكاملة لا يمكن أن تتجزأ، ولا تتجاوز ثلاثة أو أربعة أسطر، وهذا هو الأمر المختلف عن دواويني السابقة».
ولا يعتقد الشيخ أن الشاعر يمكن عدّه قائد رأي وذلك لاحتكاكه بالنخبة المثقفة فقط من المجتمع ويقول: «الأثر الذي يمكن أن يحدثه الشاعر يكون عبر التراكمات التي يمكن أن يتركها من خلال كتبه أوتجربته، فالكاتب بالعموم حاضر في المشهد الثقافي من خلال ما يكتب، وعلى قدر ما يتلقى المجتمع ويقرأ على قدر ما يؤثر الكاتب، ولا نستطيع أن نقول في زمن «الميديا» و«البروبغندا الاعلامية» أنه يمكن للشاعر أن يكون قائد رأي أو مؤثراً في مجتمعه، فهو يستطيع أن يضع ومضة أو تشكيلاً معيناً، يؤثر لاحقاً في المجتمع، عبر عمل جماعي متكامل ومقصود».
فوضى شعرية
مع اتساع رقعة الانترنت كثُر هواة الشعر، وأصبح أي شخص في باله فكرة ينصّب نفسه شاعراً على الشبكة العنكبوتيّة، فكيف للشعراء الحقيقيين أن يثبتوا وجودهم في زمن الفوضى الشعرية، عن هذا السؤال يجيب الشيخ: «الأمر في الحقيقة متعلّق أكثر في ماهية النقد الموجود، فعلى قدر ما يوجد نقد شعري جدّي يواكب هذه الكتابات سواءً على النت أو المطبوعة منها، على قدر ما يتم إنصاف الشعر والشعراء، وعلى قدر ما يوجد ناس يقرؤون ويقيمون ويجرون محاكمات ومقارنات بين ما تراه وتقرؤه، يمكن تلمّس وجود شاعر أو اسم معين جدير بلقب الشاعر، فالكل يتشابه ويستسهل الشعر، لأنه لا توجد قراءة، والنسبة التي تقرأ لا تمثل 4-5% من المجتمع، ونحنا مجتمع «ميديا» بامتياز، لذلك فالظهور يكون بهذه السهولة والهشاشة، لكن السبب الرئيس لهذه الظاهرة هو غياب النقد والمتابعة النقدية، الذي يؤدي إلى غياب النص الجيد».
تراكم الامتياز
وعما إذا أثر الانترنت في انتشار اسمه وكتاباته يقول الشيخ: «أصدرت ديواني الأول عام 2008 ولم يكن في سورية أي من وسائل التواصل الاجتماعي، وأنا أؤمن أن مشروع الكتابة هو مشروع طويل، وإحداث خبطة إبداعية لا يتحقق بمجرد إصدار كتابٍ واحد، لأن الناس لا يقرؤون، وهنا يكمن أصل المشكلة، والحل هو «تراكم الامتياز» فبقدر ما تستطيع أن تراكم انتاجات إبداعية جديدة عند الناس بقدر ما يبحث الناس عنك، ولم يساعدني الانترنت كثيراً بقدر ما ساعدني الإعلام لأنني ابنه».
أما الشاعر الذي يعدّه قدوته الشعرية، والذي دفعه إلى سلوك سبيل الشعر فهو حسب الشيخ: «الشاعر السوري المعاصر منذر المصري وهو من شعراء «السبعينيات»، وقد شجعني بعد قراءة ديواني الثاني، لأتابع مسيرة الشعر، ورأى فيني شيئاً مختلفاً، وعموماً أحب شعراء هذه الحقبة مثل: بندر عبد الحميد، وعادل محمود، ورياض صالح الحسين، وسليم بركات، وآخرون».
وفيما إذا كان يفكر بتجربة لون أدبي آخر كالقصة أو الرواية يقول الشيخ: «في الحقيقة أنا مقبل على «ورطة» عمل روائي، رغم أني لا أتمنى الذهاب إلى هناك لأنني قد أخسر الكثير من رصيد الشعر، وأنا في الأساس صحفي، لا أريد أن أحصر عقلي بالعمل الروائي فقط، بحيث تطاردني شخوص الرواية أينما ذهبت، لا أريد أن أعيش هذا الهاجس، وأفضل أن أكتب اللقطة المكثفة القريبة مني، لأنها –بالنسبة إليّ- أجمل وأخف وأسهل في الوصول إلى الناس، خصوصاً أنه لا توجد قراءة».
وعن كيفية إعادة الجيل الجديد إلى القراءة يقول الشيخ: «نستطيع ذلك حين نأتي بإدارة ثقافية حقيقية، فكل من يدير الثقافة في هذه البلاد هو غريب عن الثقافة، لذلك حصلنا على جيل مدجّن لا يقرأ و«ميديوي» بامتياز، بمعنى أنه محدود بما يريده الغرب والسياسات الأخرى، وإعادة الشباب إلى القراءة هي مهمة وزارتي التربية والثقافة، اللتين تحتاجان إعادة هيكلة، لتسليم كوادر ثقافية و«ليس حزبية» بل أشخاص مثقفون يتقنون إدارة المشروعات الثقافية».
وتمنى الشيخ أن يواظب الناس على القراءة، وإن رأوا نصاً غير جيد أن ينتقدوه، وإن رأوا نصاً جيداً أن يتداولوه بين أصدقائهم: «قمة سعادتي هي أن أرى شخصاً يحمل بيده كتاباً جيداً لأحد الكتاب أو الشعراء السوريين حتى وإن لم يكن أنا».
