تلفزة الحرب: دراما التعليق على ما حدث…التلقي في زمن التشرد.. فتّش عن مشاهد!

عمر الشيخ

من مسلسل وطن حافأحياناً تسبق الحكاية باحتمالاتها الحدث الذي يدور على الأرض، ربما تتنبأ، وقد تكون مجرد حكاية تتقاطع مع الواقع، ولكن من قال إن على الدراما أن تكون توثيقاً للواقع، ونسخة رديئة عنه؟ ومن قال إن معالجة هموم الناس تأتي من خلال الدراما التلفزيونية؟

المشاهد لا يمتلك مقدرة على تفكيك النص الدرامي حين يكون على الشاشة، ويجرده من ماهيته الفنية ليكون مشابهاً لتوقعاته، ويزيل عنه أهم صفة في تكوينه الشمولي وهي: المتعة! أنا أشاهد عملاً لأتمتع، أبحث عن الطرح الجديد، عن التناول الذكي لمحيط الواقع، لماذا أبحث عن تجسيد الواقع، وما العبرة في ذلك؟ هكذا، يجد المشاهد من نقل الواقع إلى الشاشة إنجازاً درامياً محسوباً، ويمكن له أن يصل حد المهارة –حسب زعمه- حين يكون المسلسل الدرامي واقعياً تماماً..!

اليوم يتكشف الغطاء عن هشاشة المتلقي في قراءة ما يرى على الشاشة الموسمية للدراما، فبيته وبيوت جيرانه وربما منطقته بأكملها تحولت إلى لوكيشن حربي مناسب، ومع كمية الدمار الهائل وأصوات الرصاص الحيّ، يصبح كمال السخونة في ذروته، فتسير الممثلة الباحثة عن وجوه الأطفال والمدنين بأسلوب يعاني تقاليد إعلانات الحروب وترميم الإنسانية، كما في سلسلة (تحت سماء الوطن) وهي مجموعة ثلاثيات درامية تأليف هالة دياب المقيمة خارج سورية! وإخراج نجدت أنزور، القوة الوحيدة للمشهد أن الدمار سوري بامتياز..! وهذا تماماً ما جعل المشاهد يشعر أنه من الواقع، لم يتمتع، بل بدأ بالبكاء على ذكرياته التي دفنت هي وأهلها هناك..

شيء كالحقيقة
سيكون معظم طبعة هذا العام من المسلسلات السورية 2013 عبارة عن مجموعة مقاربات لمفردات المرحلة التاريخية التي تعيشها البلاد، سوف تظهر مخيمات الحدود بموسيقا التشرد، وسوف نشاهد البنادق والقتل منتشراً كالطاعون، كما سيقفز التنظير السياسي إلى مرتبة العطب في الحوارات، ونصير جميعنا مواد رخيصة للفرجة..!
يستنزفون الحال من كل الزوايا ولا يقدمون مسببات حقيقية لهشاشة المجتمع الداخلية التي أوصلتنا إلى هنا، يركضون في معظم تجاربهم هذا العام نحو قصة بلاد مصابة بصراع سياسي تأزم فيما بعد فأصبح مسلحاً، تأزم أكثر فأصبح صراعاً دولياً ومحاصصات، وراحت فرصة التغيير على العباد، لتصبح حرب مليشيات على الدولة ومؤسساتها لا بوصلة نهاية لها، فاتورتها الدرامية دامية وشاشتها القصصية لن تحقق من هذا الوجع شيئاً إلا قليلاً.
في مسلسل (وطن حاف) تأليف كاميل نصراوي وإخراج فردوس أتاسي ومهند قطيش، نشاهد لوحات درامية ناقدة، تذهب نحو تناول العمق الاجتماعي للناس الذين يعيشون أزمات مختلفة وكبيرة على المستوى الثقافي والإنساني قبل أن تتوجهم الأزمة السياسية الراهنة، وهذا يسجل إضافة حقيقية للمشهد الدرامي العام، ربما يبعدنا عن حالة الاستسهال في التناول التي تسرع فيها البعض ليلحق موسم الدراما في حلّة الأزمة السورية!
وفي عمل آخر أيضاً هو إكمال لصراع درامي مرير نعبر نحو الجوهر الاجتماعي والسياسي الذي أنتج هذه الأزمة من خلال مسلسل (الولادة من الخاصرة) بأجزائه الثلاثة، تأليف سامر رضوان، أخرج الجزأين الأول والثاني رشا شربتجي، ليختم إخراج الجزء الثالث سيف الدين سبيعي، هنا سنكون أمام مقترح فني مختلف، وتشريح قصصي درامي، ليس نسخة عن الواقع، إنما تفكيكه بذكاء، لكن الأغلبية الساحقة تريد أن تشاهد عملاً يحقق المعادلة، في ضياع نصف الحقيقة حول الأزمة التي يشكل الداخل وباطنه الاجتماعي جزءاً كبيراً منها، وهذا ما كشفه نص سامر رضوان. هكذا لن تتحقق المعادلة ما دام الرقيب يعتبر تناول أسباب الموت والأزمة من وجهة نظره الشخصية، وغير ذلك سوف يعتبر المساس بتلك الأسباب، خطاً أحمر..!

جرأة خجولة
انشغال الناس بأوجاعها سوف يدفعها عبثاً لتفتح التلفزيون إذا وجدت كهرباء ومحطات فضائية، تدفعها لتشاهد حكاياتها بوجوه نجوم الدراما السورية الذين يعيش معظمهم خارج البلاد، للمرة الأولى يشعر السوري أنه بطل حكاية لا نهاية لها، سوف ينتظر بفارغ الصبر كيف ستكون النهايات، إمّا أن يلحقها وإما أن يمضي بقذيفة طائشة أو تفجير عابر أو قناص لعين على طرق السفر..
لقد جاء الواقع بتفاصيله ليكون مادة دسمة ومترهلة ليقوم أغلب الكتاب والكاتبات بقنصه وجعله محركاً فكرياً وتجارياً لأعمالهم، المقصود هنا أعمال حاكت الأزمة السورية، الواقع المقصود هنا خجول ولا يشبه الواقع إلا بشيء بسيط، هو كذلك «تعليق على ما حدث..» لم نشاهد تفكيكاً جدياً للبنية الاجتماعية التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، لم نشاهد محاكاة ذكية للدخول إلى صلب السلطة والبنية الدينية وسواها لنعرف كيف تفكر كما حدث في مسلسل (سنعود بعد قليل) تأليف رافي وهبة وإخراج الليث حجو، وهي حكاية لأناس وجدوا أساساً في الأزمة وتعاملوا معها على أنها موجودة وبشيء من الخجل عرجوا على بعض مسببات الحدث الكبير ثم أكملوا نموهم الدرامي في سياق حكائي قائم على آثار الأزمة.
الدراما – الناس، الحقيقة في الوسط، لا تبدو واضحة، وهنا يحاول أحد الأعمال أن يكون بعيداً عن كل هذه المعمع كما في أوديسا مسلسل (صبايا) تأليف نور شيشكلي والذي صوّر في إحدى دول الخليج وبقيت حكاياته خارج السياق الزمني للحدث وعولت على وجوه النجمات ومقدرتهن الترويجية تحت مسمّى (دراما) لدول الصحراء هرباً من الواقع.
أحد الكتّاب يشير إلى أن دوران عجلة الدراما السورية هو صناعة ثقافية ويجب أن تستمر بأي ثمن.. لا أحد يقول غير ذلك، لكن هذه الصناعة الثقافية البحتة تتوجه لمشاهد ينام في الشتات، ألا يهم هذا؟ طيب، إذا افترضنا أن هذه العجلة الوطنية المهمة يجب أن تدور، كي نقاوم من خلالها، ألا يجدر بها الوصول إلى مستوى المأساة وحجمها وأهميتها ومن ثم العبور لتفكيكها؟.
هل تقوم الجرأة على قدميها، بعد مرور أكثر من أسبوع على بدء الأعمال الدرامية السورية؟ كيف عرّفت الدراما السورية الجرأة خلال مقولتها، في حين كان الموت الرعب والأكشن مفاصل محركة لحياة السوريين منذ سنتين إلى الآن؟ ففي مسلسل (حدود شقيقة) تأليف حازم سليمان عن نص للمصري علاء الأسواني، إخراج أسامة الحمد، سوف تكون الجرأة مغلفة برمزية الضيعة هنا، فالسلطة هي المختار، وتدور بينه وبين قطاع الطرق الذين يمثلون التجار هنا، صراعات للحصول على السلطة، في حين يجسد أهل الضيعة دور الشعب، عمل ساخر كوميدي لكن المشكلة الوحيدة أنه مستهلك، يقترب كثيراً من تجربة (ضيعة ضايعة) وعليه فإن جرأته منقوصة الآن..
لقد وصل فهم النص الدرامي هذا العام إلى مراحل متقدمة عن الأعوام السابقة، ربما لأن المرحلة الحساسة والضخمة التي تعيشها سورية فرضت ذلك، ولكن، هذا الفهم اقتصر على تبويب الوجع والمشكلة، وتقديم الحدث بوجهة نظر أحادية كما في مسلسل (قلب اللهب) نص أسامة كوكش، لم نشاهد سوى طرف من أطراف الصراع، فالعمل كتبت في مطلع عام2012 وما وجد في مكونات الأزمة السورية من أطراف تجاوز حالة المقاربة التي تحاولها النصوص في 2013، فالبعض منها يدخل صوت مذيعة نشرة أخبار كخلفية صوتية ملازمة لمشهد معين كما في إحدى حلقات مسلسل (سكر وسط) نص مازن طه، كي يبدو المشهد من قلب الحدث السوري الراهن، بلفتة صغيرة يعرف المشاهد أنه لن يجد ما يسد رمقه من فن تلفزيوني ربما لتراجع النصوص الدرامية وقلة حيلة كتّابها.
إذاً لعبت أدوات المشافهة في تكوين النص الدرامي لتبدو (دراما التعليق على ما حدث) هي أكثر ما يفكك أغلب النصوص الدرامية التي عملت على بناء أعمال درامية جديدة، يفترض بها أن تكون قد تجاوزت كثيراً من منغصات خوف التناول وحيادية الطرح، ورغم ذلك هل سوف تجد مشاهداً سوريا يتواصل معها كما توقّع كتّابها لها أن تكون: وثائقيات عابرة فقط؟ وليست دراما على مستوى ما يحدث.

جريدة الوطن

أضف تعليق