إنهم يصوّرون..!

IMG_0333

عمر الشيخ
يُقتل الصحفي في تغطية لنقل الحقيقة ولا يهتم لشأنه سوى بعض المنظمات (الحقوقية)، وتذهب أحلامه إلى الجحيم، بينما يفكر أنه يقدم للبشرية معروفاً حين ينقل أخبار الحروب والكوارث، هناك إلى جانب جثته ترقد مخيلة الالتقاط والنقط السوداء في تاريخ الحكايات التي كان يخطط أن يرويها للناس كي لا يعيدوا ارتكابها في المستقبل، يلتقطون للصحفي المقتول صورة تذكارية، تنهمر تعابير الإعجاب والتفاعلات ويبقى الحزن فوقهم يشاهد ويسخر منهم جميعاً..!
لفترات طويلة كان الصحفي ملزماً بالعمل ضمن تخصصه المهني في أحد الأقسام التي تتبع لجريدة أو منبر ما، لكن، اليوم نجد محرري الرياضة والفن تحولوا إلى مراسلين حربيين، بينما كتّاب السياسة يراوغون في البحث عن دور لا يؤذيهم ولا يقطع برزقهم.. هؤلاء كلهم يغيرون من حركات عملهم الصحفية مع التغييرات الإقليمية والسياسية التي تحدث في المنطقة، إلى أن تظهر ملامح مرحلة مقبلة، فيختارون ما يجبر بخاطرهم ويعيد لهم هوامشهم في (التعبير عن الناس) وانتبهوا هنا جيداً لدقة المصطلح، هم لا يعبرون عن أنفسهم، والناس أصلاً لا وقت لديها لتطلب منهم أن يعبروا عنها، لأن الناس ببساطة أصبحت تتقن التعبير عن ذاتها، بصورة قبل العبارة، وبجملة قبل الزاوية الصحفية، وباحتجاج سلمي قبل إطلاق النار من صفحات المنابر والمواقع الإلكترونية..
بالذاكرة أو بالعدسات الصغيرة، يلتقط الناس الحدث العاجل، يصيغون أهميته كما يريدون، لم يعد لسياسة النشر أي اعتبار، قد تجد فجاجة في نقل صور الأشلاء، أو قد تجرحك صورة طفل بلا رأس.. لم يعد لدى الناس ما يخفونه عن الفضيحة، باتوا مدركين تماماً أن ذلك أفضل حل كي لا يحدث خطأ قاتل يذهب ضحيته أبرياء، ربما، هي وجهة نظرهم، لكنها ولدت في العامين الفائتين فقط، صرنا نحن محور العالم، وحروبنا الداخلية والخارجية هي من تحرك بوصلة الاستقرار، هذا ما وصل إليه الناس هنا، فهم جميعاً يعرفون أن التصوير هو السلاح الأقوى لتعرية الحدث، الصورة، الفيديو، الفوتوغراف، التسريبات.. إلخ، كأن العالم يبحث عن استجرار الوجع من كوارث الآخرين ولا يبالي بما سيشاهد..!
هكذا لم يعد لدى المواقع الإلكترونية ما تفعله، سوى الاعتماد على الناس أنفسهم، وعلى مصداقية ما ينشرون، قليل من الضوء في التلفزيون ويصبح المصدر موثوقاً ولاحقاً يسيّس لمصلحة أحد أطراف الصراع، ذلك يعكس مدى جاهزية الناس هنا لتتأقلم مع المهن الموسمية تاركةً خلفها ما تعلمته حول تنوع العمل المشترك بحجة أن ثمة ما هو أهمّ بالنسبة للحقيقة.
اليوم يجلس الصحفي في مكان الخطر مع الكثيرين ممن صار لديهم هاجس التقصي، كأن هنالك جوعاً للحقيقية، جوعاً للبحث، للمغامرة.. كأن الموت المحدق فينا ككتّاب أصبح موضة حتى لو بالإشاعات. هكذا، سيبدو فيلم الرعب الدائر منذ سنتين، مجرد احتمالات للتجريب المهني، فبعض الزملاء حسم مؤخراً خياره (الميداني) وقرر أن يكون في الخارج مجرد مراقب! كما كان يقول حين انتظرت منه الأزمة أن يفعل شيئاً مفيداً غير (كلام الهوا) الذي لا يكلفه سوى بعض الكحول من النوع الرديء، الآن هو هناك في منطقة ما خارج الحدود، يدّعي انتماءه للباحثين عن الحقيقة، وهو في طبيعة الأمر لا يساوي قيمة كبسة زر الكاميرا التي يحملها الناس هنا من صحفيين وغيرهم لنقل الحقيقة من قلب الحدث.
إنّهم يصورون..! لم يعد هناك حاجة لمخرج أو مدير إضاءة أو مونتير، الناس تصنع قصصها بنفسها وتقدمها للعالم كما هي، بهشاشتها وقسوتها.. بينما في ضفة ما يجلس المختصون في الكار لتهذيب المشهد وكتابة تقرير الرقابة والبحث عن الخدوش الفنية التي قد تجرح عين المشاهد! ترى ما الذي بقي على الأرض لم ينزف بعد؟ نحن لا ندّعي أننا حرّاس الأمل، لكن الناس كشفت أن ثمة حقيقة يجب أن تخرج للعالم، لكن هذه المرة بإمضائهم الشخصي فقط.

أضف تعليق