عمر الشيخ
الأربعاء, 01/05/2013
النظرة المباشرة للمشهد الحقيقي على الأرض تجعلنا نكرر السؤال ألف مرة، ترى من المسؤول؟ سوف يستغرب الكثير من الناس حين تكون الإجابة ببساطة: غياب الثقافة الحقيقية عن تحديد مصير المجتمع..! فالمؤسسات الرسمية التي من المفترض أنها تعمل لدعم حقل الإبداع ونشر الثقافات والوعي الفكري، تحولت مع الزمن إلى منابع مليئة بطحالب الخمول والرضى المستمر عن أي شيء يأتي، ادعاء دعم الأصوات الجديدة، وكذبة المسابقات وما إلى ذلك من مشاغل سطحية فرزت في المجتمع مثلاً ما يعرف بـالـ”نخب” لا ندري على أي أساس أصبحت “نخب”..!؟ ولا على أية فئة من البشر هي “نخب”..! إذا كانت المؤسسة الراعية للثقافة في البلاد توظف وتعيّن وتقيم وتبتكر بعيداً عن الناس، ولم تستطع إلى الآن جذب الناس بشكل مقنع إلى حيزها وتأثيرها، ترى ما الذي بقي منها سوى اسمها “الشكلي” وتراجعاتها الدائمة إلى الخلف؟ لماذا دائماً نضع اللوم عليها؟ هل هي حقاً تقوم على أشخاص غرباء عن الثقافة؟ هل هي حقاً تقدم برامج تثقيفية “مؤدلجة” أكل الزمن وشرب عليها؟
لعنة المناصب لم تترك مكاناً أو مؤسسة في البلاد إلاّ وجاءت عليها، فأنتجت النظرة بعين واحدة ومشوهة إلى الوقائع، أصبح لدينا شريحة صغيرة جداً لا تقدم ولا تؤخر في الحياة تهتم بالثقافة كمفهوم حياة لا كقراءة كتب ومتابعة مسرح وسينما وتلفزيون وإنترنت.. إلخ، فقط، المقصود هنا ثقافة الاختلاف في كل شيء، الرد بالمثل حتى لو كان سيئاً بات فعلاً طبيعياً، رد العنف بالعنف، والشتيمة بالشتيمة، وتبادل الرأي بالقطيعة، هذا كله راكم لدى السوري هماً إضافياً في حياته إلى جانب انشغاله بتحقيق ما يصبو إليه من “طموحات المستقبل” حين تذكر أمامه كلمة “ثقافة” يهزأ ويعلق: “من يشتغل بها ويعمل بها يعيش في عالم آخر بعيداً عنّا..؟”.
الصراع الدائر على أرضنا، هو إلغاء فهمنا، والقضاء على محاولتنا بالتقدم، أطراف كثيرة تلعب بمصيرنا، ولا حصن ندافع من خلاله إلا الصراخ في وجه التدجين والقبول بأي حل رخيص، فاتورة الدم التي دفعها السوريون تكبر وتزداد، ماذا يمكن للثقافة أن تدفع مقابل ذلك ليجدر بها أن تكون أمّاً مؤسسة لمراحل جديدة في حياتنا؟
انحرافات الحال السوري باتت واضحة للجميع، والخلاف على تفتيتنا بأي ثمن هو هدف الأغلبية في الخارج وبعض الداخل، الهدف الأهمّ أن نظل معاً في تغيير جدي على مستوى الثقافة قبل كل شيء، فالأجيال المقبلة ستفقد ذاكرتها تماماً ما لم تُعِدْ المؤسسات الأهلية الخاصة والعامة “الاشتغال” الواقعي على المجتمع.
بعض الأصدقاء كتبوا شعراً ودراما وسينما ربما، بعضهم الآخر فضّل أن يكون دوره صامتاً مجرد تعليق على المرحلة، والبعض الأهم الذي لازال وراء الهدف هو من بقي هنا واستمر في العمل رغم تعاسة الظروف المادية والنفسية والاجتماعية، وعليه فإن الآن لا يمكن أن ينتظر إلى الغد، طالما أن المؤسسة الرسمية مشغولة بإزالة الطحالب ذاتها منذ سنوات ولم تستطع.. لاتزال مشغولة بتوزيع الكعكة والمناصب، لاتزال تعتبر أن الكارثة التي تحدث الآن متعلقة بأفراد معينين فقط!
لا يمكن لتغيير ما أن يحدث بالتحدث عن مسببات النخور الداخلية لجسد المفاهيم واهتزازها وحسب، بل طرق التصحيح المنطقية والفاعلة من خارج وداخل المؤسسة.. لا يمكن لتغيير أن يقوم على بنية مدجّنة مهمتها تمسيح الجوخ لهذا الممول أو ذاك المسؤول.. التغيير الذي نحلمه يبدأ من الثقافة ولا يتوقف عند وزارة ما أو مؤسسة أو فرد أو تجارب مكرسة.. الأحزاب تلعب لعبتها التي تعتقد أنها تطول جميع فئات المجتمع، علماً أن تجارب التحزيب لدينا على المستوى الضيق وغير المجدي كما أثبتت لنا الأحداث الأخيرة، فهل نتوجه من جديد للناس على أرضنا بلغتهم وطاقاتهم..؟
النهضة
