عمر الشيخ
الاثنين, 10/06/2013
تكثر المجاملات بين الأصدقاء وأبناء الكار الواحد، وتكاد لا تجد رأياً جدياً في منتج إبداعي إلا وخلفه هدف شخصي، وقد تذهب الحالة باتجاه التملق أو رفع العتب، ومع الأزمة الحالية التي تعيشها البلاد، يتقوقع المثقف والمهتمون بالشأن الثقافي داخل عزلتهم أكثر، ويندثر عنهم الشارع والمجتمع، حتى تشعر وكأن المشهد الثقافي يعيش على الورق بين بعض الصحفيين وعدد من الكتاب في الظل.
حرب تصفية الحسابات هي الأخرى تجد منفذاً لها في الثقافة، ففلان لا يحضر توقيع كتاب فلان لأنه لا يضع له (لايك) على منشورته في النت، وفلانة لا تحضر توقيع كتاب فلان لأنه لا يتملق نصوصها الهزيلة.. وفلان لا تعجبه تسريحة شعر فلانة فلا يعطيها رأيه فيما تقول.. إلخ، الجميع هنا يلعب دور القاتل بالكلمات، هناك من يتحول إلى رافض لكل أشكال الثقافة -رغم عملهم قبل الأزمة بالثقافة- هؤلاء ربما يساهمون في ازدياد تشوّه الحال من خلال ما ينشرونه من (نمّ وشتم وإقصاء) دون مبررات نقدية ضد زملائهم في العمل الثقافي.
يجلس (النقد) جانباً، لا يعمل على مفاهيمه إلا القلة، وتبدو النظرة التحليلية للواقع المعاش قادمة من بُعد ضيق لا يتحمل سوى رؤية (الناظر)، أصبحت الجملة النقدية في عداد الأموات، والمتهم بالفهم اتهاماً، لا يوفر فرصةً لتناول الآخرين بأشنع التوصيف..! احتقان ثقافي يدور على الوجوه وبين البعض، كأنهم ينتظرون مؤسسة من المؤسسات الثقافية النائمة لتقدم لهم مبادرة حقيقية للحوار الثقافي المجدي؟ الأغلبية تشجع على القطيعة، ودفع المجتمع نحو التفتت من خلال الآراء العصابية المتعلقة بالأزمة..
يصمت (النقد) ويشتغل تبويس الشوارب ورفع الكأس (لحلّ) الخلافات، فالاختلاف هنا لا يفسد للودّ قضية فقط! بل ويشعل نار الحقد مع (شدّ الشعر) وقلب الطاولات..! المثقف يأخذ شكل الشراسة العنفية أكثر من أي شخص آخر في المجتمع، أحياناً تجده مؤمناً بالله إيماناً مطلقاً فقط كي تتحقق دعواته بزوال أحدهم أو اختفاء منتجه الإبداعي..! تكشّفت عن أنيابه مهارات استهداف الآخرين من باب الشخصنة وحسب، وهنا لا أدّعي أن المثقف، قارب من أهمية الفكر وتأثيره في نهج المجتمع سابقاً، على العكس، سمح للدين بالتدخل ليبقى علم الغيب والخوف من المجهول هو (البعبع) الذي جعل الناس تمشي كما يريد (رجل الدين) خوفاً من نار غضب القدر.. بقي المثقف قبل الأزمة في قوقعته، لكن بوادر خروجه كانت على وشك الظهور مع بداية الأحداث كتباشير في تغيير ما سيصيب المجتمع، إلا أن الدين بقي هو الفكر الوحيد الأقوى، فيما بعد لحقه التطرف، وبقيت سجالات المثقفين تفتك بالناس الذين أساساً لم يهضموا حضور أغلبهم المتعجرف والانطوائي على بقية زملائه.
والآن تجد الأحكام المطلقة متناثرة وطازجة على أفواه المثقفين، وعامة خلق الله، الجميع يفهم في السياسة والجميع يفهم في الإعلام، والجميع يفهم في الحريات.. نادراً ما تجد من يقرأ عليك رأياً شمولياً ونقدياً في ظاهرة ما، أحياناً تجد الرأي ساخناً ومفصلاً لكل حيثيات الظاهرة، لكن صاحبه خارج البلد.. ترى كيف سيساهم في ترميم المجتمع وبنائه؟
إن متابعة المنتج الإبداعي أو الفكرة التي تظهر في المجتمع وتفكيكها لتبدو واضحة للناس، هي من أصعب المراهنات الحساسة التي قسمت الناس إلى عشرات التيارات والأفكار، ذلك ما كان ينقص، مواكبة حالة التغير الكبير الذي يحدث في المنطقة على كافة المستويات بعيداً عن إرضاء جماعة أو حزب أو مريدين ما، لأن التاريخ غداً سيقول إن أبناء هذه الحقبة كانوا مشغولين في تدوين الترهات على (الفيسبوك) أو هجروا الأرض بحثاً عن نظريات الحرية خارج مجتمعهم وذاكرتهم والتي لا تشبههم ولا تشبه الآخرين.. أو بقوا دفاعاً عن الإنسان وعن حقوقه في الحياة بكرامة ودون عنف..
