الفنون الإبداعية في ضوء الانعطافات كيف يمكن أن تتطور الذائقة وتنقلب مهارات التعبير؟

أرصفة دمشق - والطفولة الميتة - عدسة عمر الشيخ
أرصفة دمشق – والطفولة الميتة – عدسة عمر الشيخ

الأوضاع الراهنة التي تعيشها البلاد لم تترك شيئاً إلا وقلبته رأساً على عقب، من الاحتياجات البسيطة التي كانت تتطلبها الأسرة لتبقى على قيد الحياة إلى الحركة اليومية التي لم تكن تغادر وسط المدن وبعض أطرافها الممتلئة بالناس من ذوي الطبقة المتوسطة وما دونها الذين يمثلون النسبة الأكبر للسكان، ولكن شيئاً ما بقي خارج تلك الحسابات.. الفنون الإبداعية التي اندحرت وعادت إلى الوراء بفعل الجذور البالية التي كانت تربطها بالمجتمع قبل أحداث الخامس عشر من آذار عام2011، فأصبحت ظاهرة توقيع الكتاب أو إقامة معرض تشكيلي أو إعداد برنامج ثقافي شيء ملفت لدى الناس الذين كثيراً ما يطرحون سؤال: (هلق وقت هالحكي..؟) بلا شك أن كلمة (الحكي) تلك التي تعود الناس على إطلاقها كتعبير ساخر عن الثقافة والفنون الإبداعية من كتابة ورسم وسينما ومسرح إلخ.. هي سبب مأزقهم الذي أوصلهم إلى هنا، لأن كل حضارات العالم صنعتها الثقافة لا السياسة، ترى كيف يمكن اليوم أن تتطور الذائقة وتنقلب مهارات التعبير في الفنون الإبداعية لدى الجيل الجديد من المجتمع؟
نصوص جديدة تحمل طابع اللحظة الراهنة، منها ماهو انفعالي حماسي أقرب إلى الزوال فيما بعد، ومنها ما كان لاذعاً وخاصاً له وقع الدهشة، على الإنترنت قرأنا وفي المطبوعات الخارجية والداخلية وعلى المواقع الإلكترونية، نصوص ورسومات أفلام وثائقية، كلها بحاجة لوقت حتى تأخذ أثرها ونضوجها الفعلي والنقدي، وإذا ركزنا قليلاً على الكتابة الإبداعية والفن التشكيلي لدى الجيل الجديد فسنجد التقاطات تشبههم وتخصّهم بوصفهم لم يتلوثوا بآلة التدجين الثقافية التي تؤخر تفرد المواهب بسبب العقليات الإدارية التي تدعم الأصوات أو الأقلام أو الأفكار الجديدة المقترحة من شباب ولدوا للتو (إبداعياً) وهذا تماماً ما حاولنا السؤال عنه، كيف يحاول الكتاب الجدد خلق مناخ ثقافي جديد يمكن له أن يطور المشهد الثقافي المتواري عن الأنظار طيلة الصراع الدائر في نسيج المجتمع السوري..!؟
تفريغ فني
في مثل هذا الوضع متطلبات الحياة غير متوفرة وحالة التضييق تخلق عند الفنان حافزاً لرفض الواقع ومحاولة لتغييره عن طريق تفريغ تلك الشحنات السالبة وتوظيفها للتغيير نحو الأفضل، الرسم بهذه الأوضاع صعب جداً وخاصة لعدم توفر المواد اللازمة.. تقول شهد (فنانة تشكيلية شابة 30 سنة)، وتضيف: (حاولت إيجاد وسائل جديدة للرسم وتركيب بعض الألوان من مواد أولية يعني ببساطة أكثر رجعنا للعصر الحجري، لكنها هي تجربة فريدة ومميزة وكما يقولون الحاجة أم الاختراع وهذا ما قصدته في البداية عن تحويل الشحنات السلبية وتوظيفها للأفضل).
بينما يرى مهاب (فنان تشيكلي 29 سنة) أن الألوان بحرارتها وقوتها استطاعت أن تعبر إلى الناس رغم كل التشوه البصري الذي يحاول أن يرث الحياة ويشيع آخر معاقل الإنسانية وهو الفن والثقافة، ويؤكد: (أقضي معظم وقتي بعيداً عن التلفزيون وعن عالم الأخبار والدم، أحاول أن أقترب من الإنسان في الشارع، عبر النت قليلاً، أبحث عن مقولتي اللونية من خلال أصوات الناس، كلما كان الإبداع من صميم الحياة، يمكن إعادة إنتاجه بأساليب جمالية تخرج الوجع من ألقه الدائم وتقدم للإنسان فسحة روحية لترتيب الخراب الذي طاله جراء الأحداث الأخيرة في البلاد..).
ثقافة سلميّة
لعل الرقابة التي عانى منها معظم الكتاب الجدد هي أول شيء تخلصوا منه في هذه الأحداث، ليقولوا ما يريدون بصوت واضح وحقيقي يدل على إصرارهم للبقاء على هذه الأرض حفاظاً على إنسانيتهم وأحلامهم السورية.. هكذا تصف لجين (كاتبة 23 سنة) شباب سورية اليوم بأنهم (يرسمون بالكلمات غد البلد بـخطوطٍ فنية لا تعرف رقابة أو قيد فإعادة تصنيع الأدب يعني إعادة تصنيع وهيكلة وطن كامل بـعقول ومعايير مختلفة) وتضيف لجين: (مع مرور الزمن وارتفاع نسبة الفنون والابتكار في المجتمع الثقافي السوري وجد المفكرون السوريون أنفسهم في حرب ذات جبهتين، جبهة حرية الإبداع وجبهة قمع الإبداع فـسجن الأفكار يميل إلى الظلمة ولا شك أن هذه الظلمة جسدت بداية الطريق لدفن وكسر كل قدرات العطاء والجمال والإبداع عند الشباب السوري المثقف الذي طالما عانى منذ آلاف السنين من قمع خياله المبدع والسير وفق قوانين لاتناسب رغبة ومبادئ الكاتب..).
الفنون الإبداعيّة تتأثر بالواقع الذي تعيشه.. بهذه العبارة يختصر بكر (شاعر 23 سنة) فكرته عن تأثير النص على المجتمع وانعكاس دوره في الأحداث نحو ما يشبه الجيل الجديد في التغيير الثقافي الذي يطمح له، يقول بكر: (النص الذي كان يكتب قبل الأحداث الجارية في سورية هو مختلف بالضرورة عن النص الذي يكتب في هذا الوقت، الواقع المُعاش بكل تفاصيله وحيثياته ومؤثراته الصوتيّة والبصريّة ألقى بظلاله على النص الإبداعي، الواقع العُنفي فرض مفرداته وصوره وتشبيهاته وأشكاله على النص.. هنا يظهر دور الكاتب (المبدع) في صياغة الواقع (المر) بكل ما فيه من سوداوية وألم لإخراج (بصيص أمل) أو (أمل كامل) حتّى!! على الكاتب أن يحوّل الحرب إلى حُب والقنبلة إلى قبلة والبندقيّة إلى عاهرة..! عليه أن يساعد الناس على مواصلة العيش يجب عليه العمل لتأسيس ثقافة مستقبليّة مشرقة يأخذ من الواقع صوره وخبراته ومرارته ويحولها إلى نقاط ارتكاز وقوّة وتحفيز لتأسيس ثقافة سلميّة مُشرقة قادمة لا محالة).
الصور التافهة!
تنشط صفحة في موقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان (عدسة شاب تافه) في رصد لقطات من سورية في مناطق مختلفة ساخنة ومتوترة وأخرى شبه مستقرة وثالثة مهجورة إلا من بعض الطيور والقطط!! صفحة تركز على تفصيل واحد في مشهد خراب مثير للشفقة ينتقد بطريقة غير مباشرة تهديم المجتمع جراء العنف الذي توسع على طول البلاد وعرضها حتى أتى على مناطق كانت ساحرة بطبيعتها وجمالها وزحامها، فتحولت اليوم إلى ركام مهجور أو ذكرى أليمة أصبح لها مكانة عاطفية تدافع عن أسباب الحياة وتحتفل بالإنسان فقط الإنسان السوري الذي بات وقوداً لكل هذه الحرائق! في الصفحة مثلاً يمكن أن تشاهد صورة لملقط غسيل على شرفة ما تطل على منطقة مسحوقة، فيكون التركيز البصري على الملقط كأنه شاهد جماد على ماحدث.. أو يمكن مشاهدة زجاجة بلاستيكية متجمدة في الثلج متداخلة مع وحشة الشوارع، فيرفق صاحب الصورة تعليقاً طريفاً يتهكم من شكل القمامة حتى أثناء الأزمات، إذ تأخذ مكاناً في فرحنا وحزننا رغم أنها مجرد قمامة..!
تلوث سينمائي
من الصعب أن تخرج كاميرا فيديو في هذه الظروف، رغم أن عملك سيقتصر على تصوير أماكن بحاجة لأن تكون تحت الضوء ينقصها هي وأهلها الكثير لتصبح صالحة للحياة!! يقول مدين (مخرج تسجيلي 29 سنة) ويضيف: (لدى بعض الشباب مشاريع عمل تصويرية وأخرى لها علاقة بورش الكتابة أو الفن التشكيلي أو النحت، هذه الأحداث الثقافية التي من شأنها تنشيط الحراك الثقافي من جديد برؤيا مختلفة، يمكن أن تصنع فيلماً وثائقياً عنها) يحاول مدين الاحتفاظ بأسرار ما يقوم به من توثيق فكري وثقافي للمرحلة من خلال تواصله مع أصدقائه من كتاب وفنانين وهواة، لأنه يرى أن الحل الوحيد لمقاومة هذا الموت والخراب هو العمل الثقافي والفني ليرمم ما بقي من الإنساني ويعيد له توازنه ولو بشيء بسيط ومقبول.
من ناحية أخرى تجد نيفين (سينمائية شابة 26 سنة) أن دراستها للتصوير والإخراج السينمائي انتهت مع بدء الأزمة السورية، فلم تجد مغادرتها البلد حلاً إنسانياً واجتماعياً يمكن له أن يجعلها تساهم في التغيير الثقافي، فأخذت كاميرتها وراحت تهتم بتصوير يوميات أناس من كل أطياف المجتمع، تقول: (الناس مادة دسمة للإبداع السينمائي، من يبتعد عن الناس يخسر نفسه وتجربته، الاحتكاك اليوم مع سائق السيرفيس أو التكسي وبائع الغاز والمازوت وعمال الخبز وزحمة الناس ومكافحتهم للعيش.. كل تلك التفاصيل هي لحظات لن تتكرر، من الواجب توثيقها وتأريخها ومقاربتها من الفن بطريقة أو بأخرى، وأنا أحاول ذلك مع من تبقى من شباب في البلد، إضافة إلى ذلك أفكر برصد الآثار السورية وتوثيقها وتوثيق الدراسات التي أجريت مؤخراً للحفاظ عليها من الخراب والنهب..).

النهضة
عمر الشيخ

أضف تعليق