ثقافة المعرفة والقراءة هل تجعل من السوري باحثاً جدياً عن ذاته وسط الصراع الراهن.؟

عشوائيات- من سطح بيتي - دمشق - الميدان - عدسة عمر الشيخ
عشوائيات- من سطح بيتي – دمشق – الميدان – عدسة عمر الشيخ

هل حجز الكتاب مكاناً حقيقياً له في الأزمة السورية؟ يبدو السؤال شائكاً بالنسبة للمثقف والقارئ والمهتم والكاتب..! كيف أعاد الكتاب إلى عالمه أناس يقرؤون للمرة الأولى؟ يقول البعض إن غاية أولئك القراء الجدد معرفة الحقائق التاريخية والسياسية والثقافية عن أرضهم وعن جذورهم.. البعض يرى أن الكتاب حضر الآن في مواجهة آلة الحرب الإعلامية والفكرية التي يعيشها المجتمع السوري بكل أطيافه، كأن معالم التدجين الثقافي بدأت تتلاشى بإصرار الفرد، الفرد عينه هو البوصلة، لم تعد المؤسسة الرسمية أو غير الرسمية تساعده في أن يجد الحقيقة، هذا ما انعكس بشكل إيجابي على الناس فيما يخص القراءة، فنشأت بعض مظاهر إعارة الكتب وشيء من اللقاءات الحوارية في شؤون الذات وهواجس العقل.
ما شاهدناه في بعض الأمكنة من العاصمة دمشق ربما كان كفيلاً بجعلنا نؤمن بوعي السوري ومقدرته على تجاوز كل هذا الخراب الروحي والنفسي الذي ضرب حياته دون اكتراث..
ترى هل بقي دور فعلي للمكتبات ودور النشر المحلية في الأزمة السورية تجاه المجتمع وشرائحه؟
الثقة بالذات
حسان النجار (كاتب وباحث) صاحب مكتبة، يرى أن دعم أفراد المجتمع للبحث عن ذواتهم هو أهم خطوة للخروج من الأزمة الآن، يقول: (كان لنا كمكتبة تجربة في نشر الوعي المجتمعي والفكري والثقافي من خلال إعارة الكتب والنقاش حولها، إضافة إلى المبادرات الدورية التي كنا نقيمها للتواصل مع المجتمع، وكان ذلك قبل الأزمة الراهنة، حيث كنا نعاني من أزمة داخلية ومريرة هي البحث عن قارئ حقيقي! وقبل الأزمة كان لنا دور مقبول في المجتمع كما أعتقد، كنا ولازلنا نحاول توجيه المهتمين والباحثين من كل الأعمار لتحقيق أبحاثهم، والوصول إلى ذواتهم.. أثناء الأزمة أطلقنا مبادرة نشر الكتاب في دار نشر النجار وصالة العرض هنا في جرمانا عبر نظام الإعارة بأسعار رمزية للغاية، من ثم كنا نحاول دفع القارئ أو الباحث للنقاش حول أفكار الكتاب الذي اطلع عليه.. وقد كنا نلمس دائماً تفاعلاً إيجابياً ملفتاً، علماً أننا كنا نتوقع عكس ذلك تماماً! لأن المواطن قد وصل إلى حالة قرف، لكن على عكس هذا الازدراء كان دافع الأغلبية هو البحث ومعرفة الحقيقة..).
ويضيف النجار: (الملفت للنظر أن أعمار رواد القراءة تتراوح بين 15 إلى 30 سنة، والاهتمامات فكرية بامتياز، تراهم يبحثون عن أشياء تشعرهم بالاطمئنان! ربما لتجاوز هذه الأزمة من الناحية العقلية أكثر منها الميدانية، هناك بحث عن كتب البرمجة اللغوية العصبية في ظل غياب تام للبحث عن كتب الأيديولوجيات التي تأكد الناس من سقوط معظم شعاراتها الآن..! إضافة إلى إمكانية تلمس الآثار الفعلية التي ينقلها القراء هنا إلى محيطهم الاجتماعي من أصدقاء وأهل وغيرهم. للمرأة دورٌ كبير أيضاً في رعاية الأطفال والاهتمام بشؤونهم، إضافة إلى نشاطها المستمر في البحث والتماس الفكري، يحضر الشباب الجديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويزداد النشاط من المناطق المجاورة لجرمانا وبعض الأماكن البعيدة نسبياً، هذا ما يثبت مقولة البحث عن المعرفة ولو في ظروف قاهرة وخطرة كالتي نعيشها.. لم يعد الإنسان يعبر عما يحمل بداخله عبر فكرة إنما يعبر عن ذاته بالسلوك والعمل.. هذه أبرز نتيجة يمكن ملاحظتها..).
وعي الأزمة
بينما ترى منار الحسيني (كاتبة) وتعمل في مخزن لبيع وإعارة الكتب، أن نوعية الكتب تنحو باتجاه تثقيف الوعي الذاتي لدى الفرد، تقول منار: (نحاول تفعيل الطاقات الموجودة لدى الفرد من خلال التواصل المستمر معه، لدينا أكثر من 700 مشترك باستعارة الكتب على اختلاف أنواعها وأجناسها الأدبية والتخصصية في الوقت الحالي، وللدقة فنحن نحاول تفعيل الطاقة الموجودة لدى الإنسان من خلال المساهمة إلى جانبه بالبحث عن الكتب التي تلبي طموحه، إذا اعتبرنا أن وقت الأزمة مقسم للحاجيات اليومية والأمان الجسدي فإن هذا الوقت أنتج ازدياداً مدهشاً بالهم الثقافي الذاتي، فهناك من يبحث عن تاريخ سورية القديم وجذور الأحزاب السياسية التي ظهرت في سورية خلال نصف القرن الماضي.. الإهتمامات سياسية بامتياز إلى جانب الاطلاع على تاريخ الحضارات المحيطة بسورية).
وتعتبر منار أن الأزمة كانت محرضاً لدفع السوري باتجاه الاهتمام بذاته وعقله وثقافته قبل الاهتمام بالشأن السياسي وصراع الحضور السلطوي، تضيف: (المشكلة خلقت وعياً والمواطن السوري يبحث عن أي شيء الآن ليعيد التوازن لعقله ومخيلته وأفكاره، يمكن اعتبار الأزمة انعطافة جديدة وكبيرة خلقت لدى السوري وعياً كبيراً، بالمقابل تجد ازدحاماً على الخبز وحاجيات التدفئة ونشرات الأخبار.. ولكن هناك نسبة من الناس تهتم بالكتب والقراءة وهذا ما كان واضحاً من خلال عملي في هذا المخزن).
غياب المؤسسات
من جانب آخر، أقرب إلى الاحتكاك اليومي مع المكتبات والكتب، نجد أن أحمد عساف (قاص وصحفي) يجد أغلب الناس اليوم تبحث عن المعلومة بنفسها، لم يعد هناك ثقة بما تشاهد أو تسمع، أصبح ثمن المعرفة مكلفاً عقلياً بحسب قول عساف، الذي يضيف: (رغم انتشار الوسائل الحديثة في البحث والاطلاع عاد كثير من الناس إلى الكتاب الورقي وإلى الوثائق التاريخية التي تشكل عموداً فقرياً للحياة السورية منذ آلاف السنوات والتي وصل بها المطاف إلى ما وصل إليه خلال الأزمة الحالية، البعض يسأل عن تاريخ بلاد الشام الثقافي، والبعض الآخر يبحث عن جغرافيا الثروات الطبيعية التي تمتلكها سورية بموقعها الإستراتيجي كنقطة تلاقٍ للحضارات، هي محاولة لمشاهدة التاريخ الحقيقي لهذه البلاد، أصبح الكتاب بالنسبة للكثير ممن أرى بمثابة حماية لهم من الموت والقذائف في ظل غياب مؤسسات الدولة الثقافية والاجتماعية التي من شأنها أن تقدم مقترحاً لاستيعاب المهتمين من الناس الذين يقفون في الظل ضمن المجتمع وجذبهم إلى ثقافة المعرفة والبحث الذاتي).
من جهة أخرى، تعتبر هند معلاني (طالبة جامعية) أن القراءة وحدها لا يمكن أن تواجه الأزمة السورية بمنأى عن دور الدولة في ذلك: (لدينا مكتبة ضخمة كمكتبة الأسد وعشرات المراكز الثقافية في العاصمة دمشق مثلاً، لا أجد تفاعلاً يذكر في ظل وجود المال بين يدي الدولة والدعم الثقافي والكتب والأماكن، أين هي من هذه المبادرات الأهلية التي تقام بشكل خجول في بعض أحياء دمشق بعيداً عن التحزيب أو جدالات المعارضة والموالاة..؟ هنالك شرخ كبير بين الفرد والمؤسسات، ويجب ترميم هذا الشرخ من خلال المعرفة والاطلاع دون الانتماء العقائدي الذي بدوره يعيد إخفاق التجارب السابقة في تحريض عقل الفرد على الإنتاج المختلف واحترامه.. اللعبة الآن تبدو أكثر خطورة، هنالك اشتغال غربي خارجي وداخلي لإشغال عقل السوري بالمظاهر الرنانة للشارع والشعب بما يسمّى «الربيع العربي» وهنا أستشهد بقول لباحث جزائري: كيف لمجتمع لم ينجز ثورته الثقافية أن يفكر بثورة لتطوير الحياة السياسة والاقتصادية والاجتماعية في بلده).
مستقبل آخر..
وحتى لا يبدو الحديث من محض الخيال، فهنالك أناس لا وقت لديها لمتابعة نشرات الأخبار وتأمين لقمة عيشها، ولكنها تؤمن بأن الأبناء يصنعون أشياء يمكن لها أن تعيد الحياة لأرضهم ولسكانها الذين فتتهم الخلاف الفكري والسلوكي والاجتماعي، هكذا يعتقد أبو حمزة، السائق الثلاثيني الذي لازال يقطن في منطقة ساخنة على تخوم العاصمة، تحدث مرة عن هوسه بأن يقدم لطفليه ما لن يستطيع أحد على الأرض منحهما إياه: (سأعمل بعد أن أغلق المعمل الواقع في الريف جراء سوء الوضع الأمني، في بيع الفول النابت وبيع الثياب المستعملة أو ما شابه، رغم تجاوزي مراحل «الأجير» لكني سأقبل كي لا أجعل طفليّ بحاجة لأي شيء، سيكون المستقبل لهما، أراهما رغم الخوف المحيط بكل شيء يكبران بشجاعة ويتقدمان نحو الضوء.. لكن تعابيرهما اليوم تذهب نحو اللون والموسيقا.. ربما كانت القراءة متأخرة قليلاً بسبب زحام الدروس التي أبعدتهم عن المطالعة الذاتية، ولكني سأبذل جهدي كي يتعرفوا على كل شيء من شأنه أن يطورهم ويجعلهم مختلفين..!).
الكاتب : عمر الشيخ / رقم العدد : 608
النهضة

أضف تعليق