
لم ينتبه للصوت الذي كان ينادي له منذ عامين، زاوية المتحف الوطني حيث بدأت الذاكرة تعيد للمشهد ملامح شهوتهِ الأولى.. وردة على باب الزوار وعيون حائرة في البحث عنه، كانت أمام «قصر الحيرة» تفرد عناقها الأبدي مع الأمل، وكان يجهل كيف يجرّ نهر بردى ليمطر عناقها مع رقيمات التاريخ؟ كيف يترك للغرق أن يتصرف بحياته بعد أن رأته صدفة من بين الصور والشتاء..
بين حديقة المتحف وسور دمشق العتيق قاسم مشترك للدهشة، خصلة من النهر تطارد العيون.. أبجدية في صمت أصابعها وإيقاع للنبيذ في لون قلمهِ، لم يكن يكتب لها عنوان بستانه الحزين، بل كان يقترح ذاكرة أخرى تختصر صوتها الحنون وهي ترتل بكلماته الضائعة فوق سطور بهجتها.. بعيداً نحو قوس باب شرقي اللئيم أدفن مشاهد تلك الوداعات وأجلس لأرتب صوتها وأعيد لهُ روحه، شاعر غاب منذ سنوات عن ذاته وأحلامه وأمّه.. تكسّرت أزرار قمصانه وهو يغادر حدود المتحف نحو تاريخ ابتسامتها القديمة، كان يريد أن يفتح صدره لصراخها.. يصرّ على الغرق فيها دون اكتراث، في حين يترك لي بعض الوقت لجمع قصائده في حقيبة الشهوات ليرميها قرباناً لها..
الزمن لم يغلق عدّاده كي يتوقف كما يحلم عادة أبطال الأفلام السينمائية حين يأتي الشغف على هيئة أجساد وتواريخ وأنهار وقصاصات حلم ورقي في زحام المفردات، هي أغلقت أصابعها على كتابه، وهو بقي مقيداً عند زاوية النهر، حيث اعتنق ديانة عينيها، كانت الأرصفة تضحك لطفولة حركاته وهو يمشي على الحد الفاصل بين الجنون والواقع، حاول ألا يجمع المشهد جيداً حتى لا يستوعب شيئاً، دخل إلى أعماقي وجعلني بطل المواجهات، لعبت دور القصائد في دهاليز غوايتها ثم أقفلت عينيّ لتتوحد روح ذاك الشاعر وروحي.. سأحاول أن أكتبها وأكتبه وأكتب الرهبة الغريبة التي خلقت ما خلقت من مفارقات وأسئلة وعناوين ورحيل وحطام جديد.. أفرحتني الصدفة في توقيتها، ومنذ ذاك الوقت حتى هذه اللحظات وأنا أحاول أن أعيد شريط كلماتها وحروف اسمي وسيل حدائقها المشمس الذي أخذ عاطفتي إلى نظراتها وأزاح أوراق عزلتي لتفضحني الأنوثة وهي تقبض على جراحي الصغيرة بعنايتها المشددة قبل أن تطلب مني صورة شخصية لقلبي، كي تكتب له إخراج قيد من سجلات صوتها البعيد، حيث استقرت ذاكرتي في غيابها..
يرتبني نداؤها كي أذهب إلى «مدرسة الهمسات» رغم رسوبي المستمر في مادة الرقص وشغبي الطويل على زملائي العشاق.. يرتبني نداؤها ويمشط شعري ويغسل وجهي ويأخذني من يدي عنوة إلى روضة «الذين ننساهم بصعوبة» التي كتب دستورها الشعري شاعري ياباني قديم يدعى (تاكوبوكو).. سوف ينساني صوتها وأنا مشغول بترتيبه ضمن وقاحةِ دمي وطبقات أنفاسي المستعجلة.. لا الصوت يشبهني ولا صاحبته ستهتم لذلك.. ثمة شاعر ورّطني في نص مشتت عن اللقاءات الغريبة وعن الغرباء.. عن الصمت والمتاحف والأبجديات الخائفة.. شاعر استغل طيبة قلبي كي يقنعني أن الصدفة حياة أخرى.. وأن مهمة ترتيب الذاكرة بشروط صوتية أجمل من حصر الأمكنة عبر الصور والكلمات..
منذ عامين تماماً كانت قصاصات أوراقي وبعض عباراتي تتصفح أسرار مدينة صغيرة من الطفولة والمرح، وفي موقف عابر للسيارات والعابرين كنت أبحث عني في وجهها، قبل أن أعيد تذكّر كل ذلك نظرت في المرآة عدة مرات.. فكان وجه الشاعر ذاته بملامحي..! لكنه هذه المرة أشد قسوة وغرابة.. يبتسم فقط مع ندائها المطمور في تفاصيل اللقاء.. يبتسم ويترك لي مساحة لا تغلق من التداعيات والأوجاع والانتظار.. في حين أحد في عمق المرآة يشبهني كان يردد ببطء:
رتب صوتها على حروف اسمكَ
وأعطِ السماء عيونكَ كي تشبه عينيها..
تلك التي جعلت بردى شاباً
وتركتني متحفاً للأحزان الطويلة..!
amrlood@gmail.com
الكاتب : عمر الشيخ / رقم العدد : 608
النهضة

