شعب “الواتس آب”

عمر الشيخ

الاثنين, 13/05/2013

السكون تعبير حقيقي عن الأمان، والذين يمارسون السكون في حياتهم السوريّة، هم أكثر البشر قلقاً، فألقابهم التي يتناوبون عليها في الشاشات تقتصر على (القلب الجريح- الحنونة – بلسم الزمن- الجرح الطويل- سهرت الليل..) وإلى ما هنالك من عناوين لحالات باتت اليوم أحد أهم العناوين التي تعرّف برواد برامج المحادثة المجانية عبر الهواتف النقالة.
أينما التفت في الباص أو المقهى أو المطعم أو أي ركن للانتظار.. تجد السوري يحمل هاتفه الجوال كأنه يترقب نقلاً مباشراً للحرب العالمية الثالثة، يثيرك الفضول قليلاً، تقترب لتجد نوافذ المحادثات الجماعية مزدحمة على شاشة هاتفه كأنه يطمئن على سكان المريخ أو على أهله المقيمين في الأرض السابعة..!
في المنزل، بين الأهل، في العمل مع الزملاء، في الطريق العابر، لا بد أنك ستجد الوجه الرامي إلى الأرض، لكن شاشة إلكترونية سوف تتلقفه، يتابعه من خلالها الطرف الآخر للذين يسامرهم أحاديثه، كأنه يمارس الوحشة المؤقتة قبل أن يصل المنزل وينشغل بالإنترنت والتواصل (الاجتماعي) المفترض مع باقي خلق الله.
مع الخوف المستشري في البلاد، الجميع يمارس طقوسه الاعتيادية بالثرثرة، تفريغ شحنات، هدر وقتٍ، أو حزن باطن يحتاج لأن يخرج بالكلمات ولو كانت سطحية ومستهلكة.. لا أدري إلى أي درجة أستطيع تحمل وسائل التواصل الافتراضية كافة، وخصوصاً على الهاتف النقال، دون أن يلوح في قاع روحي بكاء على اللقاءات والصوت واللمسات والحياة الواقعية التي يجب أن أعيشها، لا أن تفرض حصارها (اللئيم) على وقتي ومشاغلي.
أخيراً لأسباب مجهولة، حجبت مؤسسة الاتصالات خدمتي التواصل الأشهر في سورية (واتس آب) و(فايبر) وعاد السوري إلى البحث عن مفاتيح جديدة لاختراق الحجب كما كان يفعل أيام موضة (البروكسيات) التي تمثل هنا برامج قرصنة لإعادة تفعيل الخدمات والمواقع المحجوبة عبر شبكة الإنترنت.
السوري يبتعد عن السوري أكثر، ويخترع طرقاً للوحشة والكسل، لا رغبة له برفع كأس الصيف مع أحد، ولا يريد أن يقاسم متعة العيش إلا مع الأحرف الثمانية والعشرون التي يشكل من خلالها رسائله القصيرة إلى العالم، وربما، إلى الهباء..!
مسافات وعزلة، شيء من العبث، والكثير من المحاولات الفاشلة بتغيير الواقع، هل سنصل إلى برّ الأمان؟ هل سنعيش حتى يوم الغد؟ لنفعل ما نريد..! هكذا يفكر شعب “الواتس آب” والتنقيب عن البشر الغرباء، لعلّي مخطئ إلى هذا الحد في اتهاماتي بالوحشة الإلكترونية الطوعية التي يتنفسها الناس مع الهواء وفي ساعات الانتظار وقبل! لكن ما يمكن تأكيده أن الحياة تفقد بريقها رغم لوثة الحرب التي تدور، الحياة تصبح مع المغامرة أكثر جدارة بأن تُعاش، سأكرر ثانية، إنها حماقة أيها السادة لا تصدقوا! كما أخبركم هنا عن متعة المغامرة وأنا خلف شاشة “كمبيوتري” هنالك مئات الآلاف في بلدي يخترعون عوالم لا حدود لها ولا أثر لها أيضاً..
نبحث عن الرسائل، كالضائعين في الصحراء، فلا تسد رمقنا الكلمات والصور والفيديوهات المضحكة، نترك ظلالنا على أرقام هواتفنا، ننام على فراش القلق، نهذي كالأطفال بأسماء ألعابنا المفضلة، وقبل أن تصحو الكآبة فينا، نصادر ما تبقى من وجوه مصدومة لنرسلها للقتلى الذين يصرون على إراقة المزيد من دمنا وطفولتنا وذاكرتنا.
نحن نكتب هنا على صفحات الجرائد، وهؤلاء “الوتس آبيون” يبحثون عن مخرج لمأزق إلغاء بريدهم المفضل للثرثرة، وآخرون على صفحات الإنترنت ينحتون الوهم كأنهم يتلمسون تغيير العالم وما من تاريخ سيتذكر كل ذلك سوى القليل، لن يدرك السوري أنه قتيل في اللغة حتى الأعماق، وأن محاولته العديدة لإخفاء الحزن والصراع الروحي مع الوقت والتفاصيل، تبوء بالفشل.

النهضة

أضف تعليق