تختلط فنون الكتابة على خشبة المسرح ويصبح النص مكاناً مشتعلاً بالانفعال الشعري والمسرحي والتعبيري المتحرك، المجتمع يتداخل في هذا التجريب الفني ولكن ستختلف معايير اللعب من حيث البحث عن الذات والحقيقة كما في نص (المُرقَّمون) للكاتب الألماني إلياس كانتي (1902-1994) بترجمة حسين بحري (منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب –الكويت 2012) العمل المقدم بدراسة لأسامة أبو طالب تتمتع بمقدرة تشريحية للبنية الفكرية بأسلوب تحليلي سيجعل القارئ أمام رهان معقد لتفكيك واحد من أبرز أمراض المجتمع وهو الاستبداد. من خلال هذه الحكاية التي تقارب وقائع جدية تعيشها شعوب الأرض أثناء احتكاكها مع السلطة، لتحضر (المعرفة) كخط درامي يغير حياة شعب اعتاد أن يكون مجرد أرقام في كتلة مبهمة لا يميز الفرد الملغي الممسوخ عن الآخر سوى كونه رقماً في مقابل رقم. وليس مجرد رقم فقط هو ملغوم بخطر التميز عن الأرقام الأخرى أو التدني دونها.
في نصه المؤلف من مجموعة لوحات حوارية لعدة شخصيات مركبة، يأخذنا صاحب نوبل (1981) إلى تجليات درامية تبعث على طرح الأسئلة منذ الصفحات الأولى لنقاش الشخصيات التي تجمعها صفة التدجين الممثلة هنا بالأرقام، فمن كان اسمه ثمانية وعشرين سوف يعيش ثمانية وعشرين عاماً فقط، ومن اسمها عشرون سوف تعيش عشرين عاماً، وهكذا. هذه الأرقام مسجلة ضمن ميدالية تتدلى من أعناق أفراد هذا المجتمع، ولا يقدر على فتحها أو المساس بها سوى شخص واحد هو (الحافظ) ومن يتمرد على سلطة هذه الميداليات فسوف يقتل حسب القانون الذي يعيش تحت كنفه ذاك المجتمع. تسقط تلك الدلالات بحيث تبرز خضوع أولئك الناس لمصيرهم دون أن يتدخلوا به، فالموت هنا محدد بتواريخ وأزمنة كل حسب ما كتبت له السلطة أن يعيش، ويعكس هذا المفهوم سياسة القطب الواحد والأنظمة الشمولية والرأسمالية والفاشستية التي تنتشر في بلاط الحكم والنفوذ المحيط بالقائمين عليه.
«خمسون» هو الرجل الذي يرفض وصاية «الحافظ» ويثير بلبلة بين أفراد الشعب حين يطالب بيوم إضافي يعيشه للبحث عن الحقيقة، يحاول في أكثر من مناسبة ونقاش مع أصدقائه والعابرين الذين تستعرضهم المسرحية كنماذج في المجتمع مثل زملاء العمل.. أبناء الجيران.. الأصدقاء.. إلخ.. يفتح «خمسون» أكثر من ميدالية حصل عليها مقابل مبالغ باهضة من الذهب فقط ليعرف الحقيقة فيجدها فارغة، يثير هذا الاكتشاف الرعب لدى الناس فقط الذين تم المساس بالمحظور الحياتي لهم، نشاهد من خلال هذه النقلة انفلات المجتمع من قبضت التدجين ودخوله في حيز البحث عن المعرفة، لكن حنكة «الحافظ» ومن معه لا تترك مجالاً للتقصي، ويستمر الصراع بين المتمرد «خمسون» الذي أخفق في تحويل تمرده إلى ثورة، وبين ممثل الطغيان «الحافظ» المتدثر بحكمته الملعونة وفهمه المر لسيكواوجية الخنوع العام. بحسب تحليل الباحث «أسامة أبو طالب» كما حدث في كل الأنظمة الشمولية. لقد أخذ «الحافظ» تجربته من الموتى.. تعلم من ضحاياه ولم يحث أن خابت تقديراته قط أو خانته توقعاته مطلقاً، حتى أن «خمسون» يسأله: (ما صنف الناس الذين كنت تعيش وسطهم؟) فيجيبه بثقة مرعبة: (وسط أناس قانعين. وسط أناس لم يكونوا يخافون أكثر) هكذا يسلمنا إلياس كانتي لقلق مفاجئ في أواخر النص بعد أن تعرض «خمسون» لعدة مواجهات ونقاشات حامية مع بعض أفراد المجتمع للتخلص من كذبة «الميداليات» التي تخفي رمزيتها قبضة القوي على أنفاس العباد.
في نص «المُرقّمون» تقفز الحوارات الذكية إلى واجهة الخلاصة، خلال فصلين، باختزال مكثف وعبارات دقيقة، فالمعنى هنا ليس في قلب الشاعر، بل في صورة اللوحة الدرامية التي تختتم بنتيجة تدفعنا للبحث عن المشهد التالي. ثمة بناء فني قامت عليه حوارات «كانتي» الرمزية دون الاقتراب من المباشر في نقد السياسة أو ثقافة المجتمع، النماذج التي تناولها كانت على تقاطع مباشر مع الحياة بانفعالها وصمتها وصخبها وحطامها النفسي والفكري. «خمسون» كان يمثل العقل هنا، جدلية البحث الجدي عن الإنسان ورفض مفهوم القطيع – الكتلة والزعيم –الطاغية، وما بينهما من قلق وتوتر واحتقان. سوف تحاول شخوص هذا العمل الركض باتجاه الأمل بعد أن كشف «خمسون» الغطاء عن كذبة «الميدالية» وقرّبهم من براهينه الذكية التي أحرجت أصحاب القرار في مجتمعهم، فالتغير كان يبدو انتحاراً قبل أن يخطو «خمسون» خطوته بفضح أسرار الموت المحضرة للناس الباحثة عن المعرفة.
الأسماء في هذا النص لا معنى لها من ناحية الهوية والاختلاف، جميعهم يعتبرون الموت قاسماً مشتركاً بينهم واعتيادياً بامتياز، فأناس «المُرقّمون» لا يتعاطفون مع الأرواح التي تغادرهم لأن الهبوط الزمني المرسوم لهم عبر أسمائهم، يزيل شيئاً فشيئاً إحساس الفاجعة بفقدان بعضهم للآخر في مجتمع مقموع ومعزول عن المحيط العام للحياة، في ضربة في خاصرة الاستبداد تعيد الفن إلى موقعه الحقيقي في تعرية الحياة ضمن مقترح جمالي يشكل تفاصيله الأدب المسرحي.
الوطن السورية
عمر الشيخ

