الشباب على مفترق الأحلام نحو أبواب الجامعة خطفاً.. ثمّ إلى النوم!

عمر الشيخ

جريدة النهضة 

ما إن يتم بعض شباب بلادي مراحل تعليمهم الأساسية، وكان في البال يختبئ مشروع ذاتي متعلق بتنمية موهبة أو تعلم فن من الفنون، إلا وتأتي أمنيات الوالدين أو معدل الدرجات الجامعية كإعصار قاتل لتلك المشاريع الذاتية التي يحلم بها الشباب، فتتحول معاني وجودهم في الحياة إلى مجرد (كمالة عدد) كما يقول بعض ممن وقفت الظروف ضدهم.. الأزمة التي تعيشها البلاد منذ عشرين شهراً زادت على الخسائر الاجتماعية، طموحات الشباب بالبحث عن أنفسهم، فأصبحت الدراسة مجازفة مصيرية في الزحام اليومي الخانق لحاجيات العيش، البعض سافر خارج البلد ليكمل تعليمه، والبعض الآخر ترك الدراسة ليعمل كي لا يموت من الجوع مقارنة مع مستوى المعيشة الذي أصبحت أحواله دون الصفر تماشياً مع الهجمة الشرسة لتجار الأزمات وزيادة الأسعار.. كل ذلك أثر بشكل كبير على المجتمع وعلى أوساطه الثقافية والشبابية خصوصاً، إذ باتت أحلام الشباب مفروزة حسب توجهات أيديولوجية فقدت معظم معاييرها الإنسانية والاجتماعية بالتعايش وقبول الآخر في ظل شعارات فضفاضة لا أرضية فكرية لها، ولا نتائج حقيقية لضجيجها.. بقي الشباب على مفترق الدراسة والمستقبل مجرد ماكينات عمل تأمل أن يتحسن الوضع في القريب العاجل، بينما تموت أحلامهم في الأعماق وتنتظر زمناً آخر يمكن أن تظهر فيه حياة جديدة وأحلام مختلفة..

الشباب لم يعانوا إبان الأزمة فقط، إنما كانوا منذ ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن يشاهدون تجارب أقرانهم تدخل في منظمات مدجنة ضمن لوائح تنويم فكري، لا تحرضهم على المبادرة وطرح الأفكار لتطوير أدائهم وتحقيق مشاريعهم الذاتية، كانوا يسمعون كلاماً في الهواء تحت مسميات شابة لكن الدهر أكل وشرب عليها.. والآن رغم ما يحدث لازالت شريحة واسعة ممن يطمح لأن تكون الثقافة أو الفن أو المهن الأخرى التي يحبها هي بوصلة مستقبله، لا ما يقرره الأهل والواسطة والعلامات التعجيزية..! والسؤال هنا هل ينتهي كيان الشباب في الأزمات التاريخية الكبرى؟

عيادة بالألوان

أكره الطب..! لماذا عليَّ أن آخذ دروساً خصوصية في الصف الأول ثانوي عام؟ لأن والدي ببساطة قال لي: “يجب أن تؤسس للشهادة الثانوية العامة كي تحصل على درجات تامة لدخل كلية الطب..” أنا أحب الرسم والهندسة، وتعجبني الألوان والأشكال المُعقدة للمنظورات الأفقية والعامودية، ربما برعت في الرياضيات البسيطة بشكل جيد، لكني أكره الطب..! يقول أمين (16سنة) الذي حصل على درجات عالية في شهادة التعليم الأساسي (الإعدادية) وانكب على القراءة في أوقات متفاوتة (أقرأ من الأدب وكتب علم الاجتماع أكثر مما أقرأ في كتب المدرسة) ويضيف: وضعنا المادي جيد جداً، ووالدي يمكتلك مشفىً صغيراً في أحد الأحياء الكبيرة وسط العاصمة دمشق، لكنه شديد الحزم والقسوة معي في موضوع الدراسة، دائماً يحذرني، ما لم أحصل على درجات طب، سيجعلني أعمل في ورشات لصيانة السيارات..! رغم أني أتعلم الرسم في السر وأطالع في أوقات نوم عائلتنا، لكني غير متفاءل بما يحدث حولي، نحن نعيش في منطقة ريفية على أطراف العاصمة، والأصوات اليومية تخبرني أن الطب بعيد عن أحلامي..! يجب أن أتعلم الهندسة والرسم لأبني لأصدقائي المهجرين بيوتاً جديدة تنسيهم أحزان الدمار، لكن أبي يرفض ذلك تماماً! حتى إنه اشترى لي مؤخراً منزلاً جديداً قرب بيتنا كي يكون عيادة في المستقبل..! كنت أتمنى أن أحول هذه الفسحة التي أهداني إياها والدي إلى مرسم ولوحات ومخططات هندسية..).

كأنه حلم..!

عن أي أحلام تسألني؟ هل عن تلك التي سنقضيها بترميم أصدقائنا ونفوسنا بعد أن تنتهي الأزمة؟ أم تلك التي كنا نرسم لها أفقاً عجيباً عندما كنا في مراحل الطفولة.. في حارتي هنا في حي الدويلعة، لا وقت للأحلام، نحن نطمئن على معارفنا وأهلنا وأصدقائنا طوال اليوم، حتى إننا لا نجد وقتاً كافياً لتجاوز المواد الجامعية التي ابتلينا فيها منذ ثلاث سنوات.. تقول ميشلين (22سنة) الطالبة الجامعية في كلية العلوم، وتضيف: (هنالك متسع قليل لجيلي أن يجد بعض الأمل فيما يصنع من تعليمه والوظيفة التي سينام فيها بقية عمره، نحن جيل انكسارات كما أرى، حطمتنا الأزمة منذ اندلعت، ولا وقت لدينا للراحة، هناك قلق مستمر على كل شيء، أنا أدرس العلوم الطبيعة حالياً، كان حلمي أن أصبح في مختبر للتحليل الطبيعي للغابات والكائنات الحية خارج البلاد، لأننا لا نمتلك هنا مناخاً مناسباً على ما أعتقد، ثم ما الذي بقي من الطبيعة حتى ندرسه ونتابع بحوثنا فيه؟ لو أُعطيت فرصة في الحياة بعد نهاية هذه الكوارث على أرضنا، فسأعمل مدرسّة علوم أو ربما سأسافر في القريب العاجل لأكمل تعليمي وتخصصي في الخارج، يمكنك أن تعتبر هذا حلماً إلى جانب القدرة الإلهية التي تحمينا من الموت المنتشر في كل مكان!!).

لا مستحيل

لم يقف أحد في وجهي حين تقدمت للمعهد العالي للموسيقى، وها أنا اليوم طالب في السنة الثانية، أعزف على الكمان، وأعتبر أن حياتي وجدت لأعزف وأسعد نفسي ومحيطي، هذه الحاجة التي كبرت مع تفاقم الأزمة السورية جعلتني أؤمن أن الموسيقى لا جنسية لها ولا دين، إنها القاسم المشترك الأكبر بين الناس، وعلينا أن نستمر في تعلمها وممارستها.. يقول عروة (20سنة) الطالب في المعهد العالي للموسيقا، ويعتبر أن حلمه بأن يعيش أولاً على أمل موسيقي طويل قد تحقق جزء منه، أما ما تبقى هو استمراره في التعلم ليعزف لأصدقائه وليكون فرقة تدور الدنيا وتكتشف الروح البشرية بعيداً عن أعاصير السياسة: (هنالك أشياء جميلة جداً في الحياة أكثر من الأحلام ربما، الطموح عبارة بسيطة لا أستخدمها كل يوم، فقط أعمل، أعزف، أتعلم، أقرأ، أؤمن بالعقل والتواصل مع الناس، لم أفكر في السفر حالياً لأن كينونتي هي هذه المدينة التي ولدت فيها وتعلمت في مدارسها وحلمت مع أطفالها بأيام مختلفة وجميلة، رغم بساطة أحوالنا المادية، لكنني أجد في الموسيقى كنوزاً تجعلني أرغب في الحياة أكثر، لدي أخ يكبرني بعدة سنوات درس في معهد متوسط للكهرباء حسبما نال من درجات في الثانوية، لكنه تقدم مجدداً للدراسة الأكاديمية في معهد النقد المسرحي ونجح، هو الآن زميل لكم يكتب في صحف عربية ومحلية، تعلمت منه أن المستحيل هو بطاقة انتهاء الصلاحية التي يرفعها المرء عندما يفشل ويتوقف عن المحاولة..).

اللغة حياة

ربما نحن بحاجة إلى أفق آمن على الأرض، إن توفر ذلك فيمكن أن أجيبك ببساطة إنني أحلم ببيت صغير نجتمع فيه أنا وأصدقاء الشعر والكتابة، نتبادل أطراف الأحاديث ونتجادل في قضايا فكرية مختلفة، نستضيف أسماء لها أثر في المجتمع يمكن أن نتعلم منها، نتبادل الكتب.. تصوّر أن يصبح هذا حلماً.. يقول رامي (26 سنة) الذي يعمل في حقل الكتابة الصحفية وهو خريج معهد هندسي لتقنيات الكمبيوتر، لا شك أن دراسته العلمية هي ثقافة ذاتية فقط، حسب زعمه: (إنما ظروف الكتابة ومهنة الصحافة جاءت من التراكم والدورات الخاصة.. حاولت أن أجد في اللغة ما يمكن أن يوصلني مع الآخر، ويعرفني على البشر أكثر، باعتبار أن أهم قاعدة في التفاهم والتطور هي الفكرة المستمدة من الواقع الحياتي الذي نعيشه، المناقشات بالنسبة لي نوافذ وعي شبه يومي نعيشها مع الأصدقاء في المهنة، الأزمة تضيق حياة كثير من الناس بلا شك، لكن الاستسلام للصمت أيضاً أشد تعاسة من الوضع الراهن على الأرض، الحلم البسيط الذي أشرت له في بداية حديثي هو مشروع أحلام كبيرة سنحققها يوماً.. لكن سنحققها حتماً). 

هوامش

مفهوم

يمكن تعريف مفهوم الذات على أنه مجموعة من الأفكار التي يمتلكها الفرد عن ذاته، أو كيفية تصنيف الفرد أو تقيميه للمعلومات الخاصة بنقاط القوة والضعف لديه. وتتشكل أبعاد مفهوم الذات تبعاً لعدة مجالات مختلفة وهي: القدرات، والمهارات، والمظهر الخارجي، والتقبل الاجتماعي.

وهنالك أوجه للذات، فيمكن للفرد أن يدرك الذات الأكاديمية، والذات الاجتماعية، والذات العاطفية، والذات الجسدية. والأطفال الموهوبون لديهم ذات أكاديمية أفضل من الذات الاجتماعية. ويرتبط مفهوم الذات بالتحصيل الأكاديمي والاتجاهات نحو المدرسة، فالطالب الذي يشعر بأنه قادر على الأداء، ولديه الثقة بذلك سيكون أكثر دافعية، وبالتالي سيكون لديه طموحات أكاديمية ومهنية عالية، وعلى الرغم من أن الطلبة الموهوبين يدركون قدراتهم العقلية بشكل إيجابي، إلا أن تدني التحصيل قد يعكس على الطالب شعوراً بعدم قدرته على الأداء، والعكس صحيح.

دافع

لكي تكون ناجحاً، لابد أن يكون لديك أحلام ورؤى وانفعالات وطموحات. يجب أن تضع شيئاً ما نصب عينيك وترغب فيه بشكل جنوني. وهذا الحلم أو الهدف أو الطموح سيصبح أكثر دافع لك.

ولكي يحقق الإنسان ما يصبو إليه، يتطلب منه ذلك حماساً والتزاماً واعتزازاً ورغبة في بذل قصارى الجهد، ورغبة في مواصلة العمل لمدة أطول، ورغبة في عمل أي شيء من أجل تحقيق الهدف. ولكي تحقق ما تصبو إليه في هذه الحياة فأنت تحتاج للحافز والطاقة.

 

رؤى

يكاد لا يخلو عقل إنسان من حلم يراوده طول حياته أو أحلام أخرى تتبادل عليه ويطمح في تحقيقها وهذا حقه.. لكن السؤال هل ميز الكثيرون بين أحلام خيالية أو رومانسية والأحلام والطموحات التي تتناسب مع طبيعة كل منا والطبيعة البشرية ذاتها.. فلا كل الأحلام يمكن تحقيقها وتحويلها إلى أهداف وغايات ؛ بل فقط تلك التي تحترم النواميس والقوانين التي ينتمي لها الإنسان في وسط طبيعته وعلاقته بها..

وهنا يخطئ الكثيرون حتى من اللامعين في مجال التنمية البشرية أو العاملين في مجال الدعاية للكسب السريع في دعوة الشباب أن يحلموا وأن يحلموا فقط فكل حلم «قابل» للتحقيق وطبعاً هذا مجرد ضرب خيال.. فهل يمكن أن يحلم أحدهم بأن يكون الرجل الخارق (سوبر مان) كما في أفلام الكرتون أو أن يحلم أحدهم بأن يكون ملكاً أو ملاكاً مخالفاً بذلك حدود التفكير الطبيعية؟! هذا خداع واضح للشباب الطموح.. إذن التمييز بين الأحلام هذه وبين الطموحات التي تناسب قدراتنا الفكرية والعقلية والمعرفية هو المنطلق الأساس لتحقيق الطموحات والأهداف.. بعد بلورة الأفكار التي سبقت وبوضوح هذه الأفكار تكون أقرب إلى تحويلها إلى أهداف يمكن تحقيقها وتحويلها إلى واقع..

 

أضف تعليق