الكتابة الصحفية الشابة في انعطافة صنع الذات..

عمر الشيخ
جريدة النهضة


بعض الصحف العربية والمحلية تستقدم صحفيين من الجيل الشاب ممن لازالوا في الجامعات أو تحت التعلم، لممارسة الكتابة الصحفية واكتساب المهارات والخبرات في التحرير الصحفي ومواكبة الأخبار والمتغيرات على مختلف الصعد، ولكن هذه التجارب كثيراً ما تظلمها نمطية العمل وماهية الوظيفة الروتينية دون الانتباه إلى ترك الكتابة على سجية الكاتب- الصحفي، وهذه المرحلة بالتحديد تكشف موهبة الصحفي في صنع خصوصيته في المادة الصحفية أو الكتابة الميدانية أو حتى الزوايا بمختلف التخصصات.. لنتفق قبل كل شيء أن الكتابة الصحفية موهبة بحاجة لدعم وقراءة مستمرة، ولكن معظم الشباب اليوم لا يقرؤون بالمعنى الفعلي للكلمة، هنالك من يعتم على بعض الكلمات في صياغة مقالاته دون أن يدرج لمسته الخاصة، والبعض الآخر يسعى لأن تكون مادته الصحفية كأنها الأولى والأهم بالنسبة له، من خلال هذه المقاربات ظهر لدينا ما يسمى بالكتابة الصحفية الشابة التي تتعلق بمن استجدوا بالعمل الصحفي والشأن الكتابي، والسؤال هنا إلى أي درجة يمكن للكتابة الشابة أن تكسب خبرة للصحفي الجديد من حيث التأثر بالآخرين وضرورة البحث عن مكان في المشهد الصحفي يشبهه دون أن يعيد تجارب زملائه من كتاب وصحفيين؟ بمعنى أدق كيف يمكن صناعة خصوصية لما يكتب من مواضيع وأفكار ولغة عند الشباب؟ الكتابة الصحفية الشابة في انعطافة صنع الذات.. صياغة الواقع بالكلمات أم تشريحه للنقد؟
اهتمام مفقود
يرى محمد حمدان (كاتب صحفي) أننا رهائن المطبوعات الحكومية أو الحزبية أو الفكرية، ورئيس التحرير هو من يقتل أي محاولة ابتكار أو تطوير لمدارس التحرير الصحفي التقليدية، على حد تعبير حمدان.. ولكن مع ترخيص عدد من الصحف السورية الخاصة وانطلاق مواقع إلكترونية بروح شبابية ساعد على طرح رؤى تحريرية أكثر مقاربة لسرعة العصر وتغير قواعد القراءة والحصول على المعلومة بعيداً عن «الكليشيهات» الجاهزة. ويضيف حمدان إن هناك صحفيين مبدعين دون أدنى شك ولهم «نَفَس» صحفي جميل يجب دعمه وهذه المسؤولية تقع على عاتق مسؤولي القطاع الإعلامي، يقومون بتطوير تجاربهم وتشجيعها ويفرضون روابط على مسألة السرقة الصحفية أو إعادة التحرير أو النشر، ويؤكد حمدان الذي يعمل مع عدة مطبوعات عربية وأجنبية: (باختصار، من أجل لغة صحفية شابة بعيدة عن تقليد تجارب الآخرين يجب تعزيز مفهوم المهنية ومعاييرها، وخلق فضاء للإبداع والابتكار مع أهمية تمتع الصحفي بالمعرفة والمعلومة والحس الأخلاقي. وعادة ما تكثر «القرصنة» الصحفية في عصر الإعلام الإلكتروني الذي جعل البعض يسترخص ويستسهل العمل الصحفي، ما دفع بالبعض ليس للتقليد وحسب، وإنما لسرقة المنتوج الصحفي لزملائهم بما يتميز به من إبداع أو تجديد).
بينما يرى علي الحسن (ناقد صحفي) أن الكتابة يجب أن تكون شابة دائماً، أقرب إلى الحياة والحيوية والجذب، الكتابة دائماً شابة أو يفترض أن تكون شابة متجددة فالكاتب الصحفي والكاتب الأديب والكاتب الهاوي أو المتمرس المحترف هو كالعدّاء في سباقات المارثون لكنه لايصل إلى خط النهاية؛ النهاية هنا تعني موت الكاتب.. ويضيف الحسن الذي يعمل في جريدة الوطن السورية: (أرى أن الصحفي مهما كانت خبرته وسنوات عمله يشعر دائماً أنه في البدايات، هذا الشعور المربك في حساباته يعطي الصحفي جرعة من الاشتغال جدياً على مادته ورغبة في الابتكار في صوغ ما يريد، ذلك أن العمل الصحفي يقوم أساساً على مدى إمكانية أن تقدم شيئاً مختلفاً عن نفسك أولاً كصحفي وعن الآخرين وإلا فإنك تصبح نسخة مكرورة عنك وعن العاملين في الوسط، وهذا مقتل العمل الصحفي لأن القارئ هنا له عين مفتوحة ويمل بسرعة النسخ المكررة وحساسيته عالية ومن الصعب إرضاؤه حتى لو كان يقرأ مطبوعة واحدة، فما بالك بهذا السيل الكبير المتاح أمامه.. ما يحدث بشكل عام وكثيراً أن المشهد الصحفي يميل للاستسهال والتكرار وأنه بات مطية سهلة لكل ما هب ودب فخفت بريق «صاحبة الجلالة» وفقدت سلطتها وسلطانها في ضبابية المشهد وتداخلاته في معمعة سادت فيها الجعجعة ولا طحناً يعوّل عليه إلا ما قلّ وندر).
الاطلاع على تجارب الآخرين ضرورة كي يضيف الصحفي جديداً لأنه ليس أول من يكتب بهذا الموضوع أو ذاك، والاطلاع هنا يحفّز على ابتكار أشكال جديدة من الاشتغال وليس التقليد أو النسخ.. الصحفي هنا يقدم ذاته ونفسه الخاص وشخصيته الكتابية وقراءته التي تشبهه؛ بمعنى ألا يشعر الصحفي بالاغتراب عن ذاته.. عندها يكون ذلك أحد أسباب أن يكون الصحفي ناجحاً على حد تعبير الحسن.
مغامرة ومفارقة
لا يمكن أن يراهن أي صحفي شاب وافد إلى عالم الصحافة، كسلطة رابعة أولاً وكفنٍ إبداعي ثانياً، يطمح إلى تحقيق أهداف شتى مختلفة مع الواقع أو متفقة معه، على نيل ما يتمنّاه وحجز مكان لائق في المشهد الصحفي أو إنشاء خصوصية مرموقة، دون أن يكون متسلّحاً بالثقافة والوعي الكافي والرغبة الصادقة بالعطاء والتغيير نحو الأفضل، يقول عمر محمد جمعة (إعلامي صحفي) لأن المعايير السابقة كلّها هي بوابته الأولى لمراكمة الخبرة واستثمار منجز التجارب الكبيرة والسابقة في الصحافة والإعلام بعد الاطلاع عليها والبحث عن المختلف فيها.
ويؤكد جمعة الذي يعمل في جريدة البعث السورية: (على أن احتكاك أي صحفي شاب، مهما تعالى طموحه، بإعلامي مشهود له بالكفاءة والاقتدار واجتراح كل جديد لن يغيّر في واقع الأمر شيئاً، ما لم يغامر الصحفي الجديد في التحرّر من سطوة هذا التأثير المؤقت الذي سيتجاوزه إلى تكوين صوته الخاص في المبادرة بأفكار جديدة تفارق بل تنسف أحياناً السائد والمألوف، وكل ذلك في قالب يجعل من المادة المكتوبة بلغتها وطريقة عرض أفكارها مبعث قناعة لدى المتلقي كي يقرأها وتخترقه تلك اللغة أو الأفكار أو أسلوب العرض. كما لابدّ من التنبّه إلى مسألة غاية في الخطورة، يجب أن يعيها الصحفيون الشباب، هي أن هناك فرقاً كبيراً بين ما ندرسه أكاديمياً وما نطبّقه من تلك الدراسة على الأرض، ولاسيما إذا اعترفنا جهاراً بأن الكثير من الأكاديميين خريجي كليات الصحافة والإعلام يعجزون عن إعداد زاوية مكثّفة مختزلة حافلة بالأفكار والطروحات الجريئة، أو إنجاز ريبورتاج أو تحقيق أو استطلاع، بسبب طموحهم المحدود وثقافتهم الضحلة وخشيتهم من المغامرة والإقدام وبالتالي الإيتاء بما هو جديد).
يتقاطع رأي جمعة مع الشابة فتون رعد (طالبة إعلام- صحفية) تعمل في جريدة السفير اللبنانية التي تعتبر أن الصحافة لا يمكن أن تتقن إلا من خلال الخبرة والممارسة المستمرة، لأنها على حد تعبيرها، لم تستفد كثيراً من الدراسة الأكاديمية إلا فيما ندر، إضافة لبعض تقنيات التحرير، وبرأيها أن السبب يعود: (لخلل كبير في المناهج ونوعية الأساتذة) أما فيما يخص طابع الاختلاف والبصمة الخاصة، تعتقد رعد أن التجربة الشخصية أساس ذلك، مع أخذ الحذر قدر الإمكان من الوقوع في شرك تقليد الآخرين من المكرسين في الكتابة الصحفية على حد تعبيرها..
علم وفن
هنالك مهارات جديدة فرضتها الميديا والزمن الراهن، ولعل الشباب هم أكثر كفاءة ممن عمل بها حتى الآن فيما يخص الكتابة الصحفية، كما يرى وائل العدس (صحفي) الذي يعتبر بدوره أن الصحافة عامة تدور بين فلكين «العلم والفن»، فينحصر الأول ضمن قوانين محددة، في حين يعتمد الثاني على الإبداع الفردي، في حين يولد الصحفي وفي يده القلم ورأسه الأفكار. ويضيف العدس الذي يعمل في عدة مواقع إلكترونية ومطبوعات صحفية: (بالتحول للصحافة الشابة التي أثبتت كفاءتها وعلو كعبها وتبنيها لمنهج مختلف عن مخضرمي السلطة الرابعة فإنها اجتاحت الصحف والمواقع الإلكترونية رغم ضعف الدراسة الأكاديمية بعدما استجابت للنداء الصادر من أعماق الموهبة والرغبة الملحة في رصد تحركات المجتمع باختلاف شرائحه السياسية والاقتصادية والرياضية و.. إلخ معتمدة على مبدأ «الفن» الذي يخضع للمهارات الذاتية).
وفيما يتعلق بالخصوصية فإنها نابعة من سياسة التجريب مع اكتساب مهارات عامة تتراكم طرداً مع زيادة سنوات الخبرة، مع محاولة تقليد أسلوب معين بمبادئه العامة قبل أن ينضج الفكر الخاص للصحفي الشاب ليتخذ من قلمه منبراً خاصاً لا يشبه أحداً، على حد تعبير وائل الذي يؤكد: (على الصعيد الشخصي فإنني أسعى للسير ضمن خط مستحدث يعكس طريقة تفكيري المتواضعة مع الأخذ بعين الاعتبار أن المجال الذي أكتبه فيه وهو «الفن» لا يحتاج أكثر من التشويق والمفردات البسيطة مع مصادر قوية وعلاقات عامة واسعة).

أضف تعليق