إبداع الشباب هل يستطيع أن يشكل جمهوراً؟ هل يلعب ذلك بالعبور إلى الذات ويمرّن الناس على التأقلم مع الحياة رغم الحرب..؟

young_1

اختلاط الأوراق وضياع بوصلة العمل الإبداعي الآن هو أكثر ما يميز تجارب الشباب في الكتابة والتصوير والرسم وباقي أبواب الفن، وفي غياب تام للحركة النقدية نجد أنه من الصعب تحديد ملامح الإبداع الذي تحرر من أصوات الآباء وتجارب المكرسين، الجيل الجديد أو الشباب عموماً مطالبون بصناعة زمنهم عبر أدواتهم ومشاهداتهم الحياتية والخيالية التي تتسع إلى ما بعد الرؤية المرحلية المتخبطة بين أيديولوجية التيارات السياسية وبين الانتماء للإنسان دون الاكتراث لتوجهاته الفكرية.
يعمل الشباب المبدع في مناطقهم الخاصة اجتماعياً، منهم من وجد في التصوير الضوئي حلاً مناسباً للبحث عن الحياة، ومنهم من راح يوثق يوميات الحياة التي تقفز من منعطف إلى آخر، بأسلوب مختلف ولكن الناس مشغولة بأمانها وأمنها، تبحث عن اللحظات التي يمكن أن تنسيها مشهد الدم من الشاشة، فهل تعيد تجارب الشباب جزءاً من اهتمامها بالإبداع؟ وكيف يقرأ الجمهور المتبقي من المهتمين محاولات الشباب في ميادين العمل الثقافي؟
فن وموسيقى
الأطفال عادة هم من يدفعون أهاليهم للبحث عن مكان ترفيهي، كما يحدث مع (دالية- ربة منزل) وهي متفرغة لتربية ابنها المراهق: (أحاول دائماً أن أجد له ما يبعده عن التشوه البصري، فأبحث في الصحف عن أمسية موسيقية أو معرض فني أو مسرحية ما، إن المراهق يستطيع أن يدير محطات التلفزة ويدخل بما هو أكبر من سنّه، لذلك سوف تجد أن معظم المشتغلين بالفن مثلاً قد سافروا للخارج، فلا نجد كأسرة إلا بعض الأماكن في الشام القديمة التي تقدم حفلاً لموسيقى شباب وبجهود الشباب رغم كل ما يحدث من أوجاع) وتؤكد دالية التي تعيش وسط دمشق أنها تخرج في الصباح الباكر للبحث المستمر عن أنشطة يقوم بها الشباب، فأشارت إلى معرض للخزف يقام في إحدى الدور الدمشقية القديمة والتي قادتنا بدورها إلى هناك لنشاهد مجموعة من الشباب الهواة وقد انتصبت أمامهم أدوات العمل الفنية للرسم على الخزف، وأنت تعبر الزقاق القديم مع السيدة الأربعينية ستشاهد دهشة هؤلاء من حضور صحفي إلى محترفهم المؤقت، يبتسم لك (أنس- 24 سنة) وهو يضع لمسات على قطعة فنية تطفو في نهر من الضوء، لأن العمل هنا يبدأ عند التاسعة وينتهي في الواحدة ظهراً، نقترب من أنس فيجتمع زملاؤه حولنا: (نعمل لأننا نحب ذواتنا، ولا نبحث كثيراً عن الجمهور، نحن نقدر الظرف الراهن لكننا نحاول أن ندعو قدر الإمكان الناس عبر الإنترنت والمعارف لحضور محاولاتنا) يقول أنس، ويضيف آخر: (يحاول المشرفون علينا تقديم وسائط مقاومة الضجيج والفراغ الموحش الذي يعمّ النفوس، فينصحنا أستاذ بموسيقى “موتزارت” و”باغنيني” ونحن نجرب كل أنواع الموسيقى التي تقع عليها أيدينا).
في المحترف الدمشقي مجموعة من الشباب والشابات يعملون منذ فترة على جذب الصمت إلى حيز الحياة، يدفعون بالألوان إلى قطع الجماد لتتكلم، كأنهم يعيدون حفر سراديب الأمل، نحاول أن ندخل إلى عالم “دالية” لنشاهد ماذا يمكن أن تجد في محترف رمزي للفن كهذا، إضافة إلى كونه للهواة الشباب: (شخصياً أبحث عما يمكن أن يرمم ذاكرتي، وأفضل تجارب الشباب لأنها طازجة، بالنسبة لابني سأدعوه إلى الموسيقى أولاً، سأبحث له عما يمكن أن يخرج الخوف من داخله، الموسيقى الشابة بصخبها وتجريبها المستمر، أعتقد أنها تقترب من عمره وتحاكيه وتؤنسه.. أمّا بالنسبة لهذا المحترف فهو نافذة تعارف يمكن أن تجمعني مع أناس يقودونني إلى أماكن مشابهة يمكن أن ألتقط منها حساسية الشباب وتطلعاتهم).
كتابة
نغادر المحترف، ثم نفترق، أو في طريقي إلى مقهى قريب أشاهد فتاة عشرينية تطالع في إحدى الصحف المحلية بينما صديقتها تستخدم الهاتف المحمول بانغماس تام، أحاول سؤالها عما تبحث عنه في الصحيفة تلك، فتجيب: (أتابع صفحة يكتب ضمنها أصدقائي، كي أتناقش معهم حول ما يكتبون، أنا أهتم بالكتابة الإبداعية) الفتاة تدعى (إباء- 24 سنة) جامعية ولها اهتمام بالقراءة، لا تكتب إبداعاً لكنها تحب أن تقضي وقتاً مع تجارب من هم في مثل سنها، نراها تدون ملاحظات على دفتر جانبي بينما زميلتها تحرص على ديمومة الصمت، لتقطعه فجأة قائلةً: (محاولات الشباب في الكتابة متواضعة، ولا تدعمها مؤسسات الثقافة الرسمية، بدل أن تنقذ ما تبقى، من جنون الشاشات والإنترنت، تراهم ينشغلون بتكريم عجائز اتحاد الكتاب العرب ومن لفّ لفيفهم) وتعلق (إباء): (أظن أن على الشباب نفسهم نشر محاولاتهم بتجمعات ينظمونها بين بعضهم، الآن لن تجد صوت المؤسسة الرسمية جاهزاً، هذه الصفحة التي بين يدي كل من يكتب بها تعرفوا على بعضهم من خلال هذا المنبر الأسبوعي، وأعتقد أنه أول خطوة في سلم الصعود، الاستمرارية لا تحتاج لجمهور، بل إلى عمل مستمر على الموهبة).
مواكبة
في زيارة لأحد مكاتب المواقع الإلكترونية الشاملة، تتلمس محاولة فريق العمل لمعرفة ما مدى متابعة بعض الصحف المحلية والعربية لإبداعات الشباب، ابتداءً من طباعة باكورة أدبية (شعر- مسرح- قصة- رواية) حتى عروض مسرحية وتلفزيونية ومعارض تشكيل، ستلاحظ أن أغلبها يتعامل مع الحدث من باب التشجيع حسب تعبير (محمد- 32 سنة) صحفي، والذي يعتبر أيضاً أن هذه المواكبة ضرورية وإن اتجهت قليلاً نحو التشجيع، فالنقد يأتي فيما بعد: (أتابع بعض النشاطات هنا وهناك على قلتها وحصرها أكثر في الكتب والمعارض وورش العمل الفني للشباب، ثمة جمهور مقنع لم يأبه لكل ما يحصل، ثمة نية للعودة مجدداً للحياة، وخير دليل على ذلك ورش العمل في قلعة دمشق التي يقوم عليها فنانو شباب إضافة إلى إصدارات دواوين الشعر والمجموعات القصصية واليوميات التي يكتبها الشباب في المطبعات العربية والمحلية، هذا يضاف إلى النشاط أيضاً..) من جهة أخرى تعتقد (نسرين- 27 سنة) صحفية، أن الناس تبحث دائماً عما هو جديد، وبرأيها أن الإبداع الشاب يحمل هذه الخاصية، حتى لو تشابهت التجارب قليلاً مع المبدعين المكرسين والآباء، فإن التفكير بالعمل الإبداعي الآن هو ترميم إنساني ضروري: (المسألة متعلقة بدعم هؤلاء الشباب من قبل الجميع “صحافة.. جمهور.. مؤسسات” وإلا استوعبتهم ثقافة العنف والانسياق إلى الصراع دون طائل..! تفجير طاقتهم هنا موضوع حساس وثمة وعي وخوف مما سيأتي لو تورط الجميع في لعبة الدم تلك لخسرنا الأرض والأجيال المقبلة..! الإعلام هنا بحاجة لتغيير شامل لضعفه في المواكبة حتى على مستوى النشاط الثقافي لمجموعة شباب..).
الجمهور
نغادر مكتب الجريدة الإلكترونية ونتوجه للشارع الذي يحكم حقيقة فيما قلناه سابقاً، فنجد أن أغلبية الناس لا وقت لديهم ليتابعوا إبداعات الشباب أو غيرها حسب تعبير البعض، معظمهم مشغول بتأمين حاجيات البيت والأسرة.. وهؤلاء في المرحلة العمرية ما فوق الخامسة والثلاثين، أما البعض الآخر فكان يفضل أن تكون تلك الإبداعات: (على الشاشة فقط كي لا يخرجوا من البيت.. في هذه الأوضاع) حسبما يقول أحدهم.
تقترب محاولات الشباب اليوم من صناعة هويتها المرحلية إبان الأحداث الدامية التي تصيب البلاد، وعلى ذلك سنجد الكثير من المحاولات المقبلة لقول ما يمكن قوله حول تجاربهم.. هم رغم الموت والدمار العشوائي يعملون على ذاتهم قبل أن تشوهها الحرب، فالتيارات السياسية لم تعد ترحم من هم خارج نطاقها جراء قلة خبرتها السياسية، وبذلك فهي تؤثر سلباً على مجتمع يفتقد كثيراً للحياة الثقافية والتواصل الاجتماعي الجدي عبر النشاطات واللقاءات.
الجمهور على اختلاف ثقافته الاجتماعية في تذوق الإبداع، قد لا يشكل تقدماً في تجارب الشباب الإبداعية، فهو يقف جانباً عادةً، إلا إذا حصل أحد المبدعين الجدد من الجيل الشاب على جائزة خارجية وجاء به الإعلام الخارجي كاكتشاف نوعي، حينها ربما تجد له رعاية تذكر، ترى هل على المبدع الشاب أن يبحث عن الخارج دولياً وعربياً ليجد مكانته ودعمه عموماً؟ أمّ عليه تأجيل الأمل والإبداع ريثما تستيقظ المؤسسات الرسمية من سباتها الذي طال أمده منذ عقود؟
في المحصلة سيبقى الشباب المبدع اليوم في تحديهم الأكبر لتأسيس عالمهم ورؤيتهم الحياتية الخاصة التي تمنح المجتمع أفقاً إنسانية تتجاوز معضلات الصراع الراهن وما سيأتي بعده من ترميم نفسي وثقافي وفكري للأجيال المقبلة.
الكاتب : عمر الشيخ / رقم العدد : 610
النهضة

أضف تعليق