الترجمة الأخرى..!

عمر الشيخ

منذ عصور مضت ونقل الأدب وأخباره وأخبار أهله وتواريخ المجتمعات من لغاتٍ إلى لغاتٍ أخرى كان تقليداً فكرياً لنشر الثقافات الذاتية والجماعية نحو كل بقاع الأرض، لذا اخترعت الترجمة حسب تطور اللغات من بلد لآخر ومن مجتمع في الشرق إلى آخر في الغرب لتتبادل الشعوب معرفتها وتتنافس في التقدم الإنساني والعلمي على مختلف المستويات، وهنا على الساحة العربية ربما الأكثر صعوبة في تداول الآداب الأجنبية يبدو مشهد ترجمة الأدب غير واضح الملامح، فقد ظهر أمامنا مترجمون اخترعتهم محركات البحث السريعة على الإنترنت وآخرون يلتزمون بالمفردات الكلاسيكية للترجمة دون الاشتغال على المنتج الإبداعي عند نقله إلى العربية، أسماء لمعت، وترجمات عديدة نقلت لنا أمهات الأدب العالمي والأساطير ولكن من لغات أخرى، كما في الشعر السوري مثلاً أيام العصر الهيلينستي الذي قدمته لنا وزارة الثقافة السورية منذ فترة بترجمة الدكتور إحسان هندي، هذا الكتاب الضخم الذي يطرح تساؤلات كبرى عن ماهية الترجمة عن لغة ثالثة رغم أن النصوص نقلت عن لغات سورية قديمة ثم إلى الإنكليزية وبعدها نشاهدها الآن باللغة العربية، ترى إلى أي مدى يمكن أن نغفر خيانة المترجم لهذا المنتج السوري جداً بكل مكوناته الإبداعية والإنسانية والجغرافية.. بالتأكيد لا أقصد الدكتور هندي، فهو قدم لنا منتجاً يحتاج لتمعن شديد وحذر في تلقفه لأنه منتج فكري سوري عمره آلاف السنين ويشكر على هذه اللفتة المهمة في تاريخ الأدب السوري القديم..
لعل النقل من لغة واحدة إلى اللغة العربية يبدو أقل خيانة للمترجم، لكنه بكل الأحوال يقدم مقترحاً إبداعياً من حقه أن يأخذ دوره في المحاكمة والنقد ورؤية ما أضافه للمشهد الأدبي المحلي، ولكن قلة قليلة من المترجمين المحترفين كانوا قد حسموا أمرهم إما أن يكونوا مبدعين بلغتهم الأم أو أن يتقنوا لغة أخرى ينقلون عنها إبداعات عالمية لإغناء المكتبة العربية، كما حدث مع المترجم المخضرم صالح علماني الذي نقل أعمالاً عملاقة من أدب أميركا اللاتينية والأدب الإسباني إلى العربية من خلال معرفة مسبقة مع صاحب العمل بنسخته الأجنبية وإضافة إلى إتقانه لفن السرد الروائي قبل أن يعكف على الترجمة، فقد كان ” صالح علماني” في بداية مشواره الإبداعي مشروع روائي عربي، لكنه عدل عن الفكرة بعد أن وجد أن موهبة الترجمة عن الإسبانية أكثر نفعاً للثقافة ولمكانته ومقدرته على دعم القارئ العربي الذي يفتقر لمثل ترجماته فنقل لنا روائع أدبية لـ: (باولو كويلو- وماريو يوصا- وإدواردو غاليانو وبابلو نيرودا وغابرييل ماركيز..) وغيرهم من بعض أدباء العالم، إلى جانب علماني جاءت ترجمات عبد الكريم ناصيف وسهيل نجم وفراس السواح وسامي الدروبي وأنطوان مقدسي ومحمد عضيمة والكثير من المترجمين السوريين الذين أثروا المكتبة العربية بمجموعة ضخمة من الأعمال الأدبية التي ساهمت في تنشيط وتطوير الذائقة السورية والعربية، كل ذلك جعل من القارئ العربي مستهلك محب عليه أن يبحث عما يضيف له وما يطور ثقافته الفكرية والذاتية، ترى هل استطاع هذا القارئ أن يتقدم خطوة في ميدان الترجمة على صعيد الاطلاع..؟
إن إثارة هذا الجانب في المشهد الثقافي الراهن يحدد مسار الثقافة العربية بعيداً عن طغيان التأثير العقائدي أو البطرياركي الديني الذي أخفق أحياناً في تجسيد هوية الإنسان والعبث بمضمونها الروحي، ربما لأنها تؤمن بالغيبيات..؟! لكن حتى هذا الأمر يبدو أدباً من نوع آخر..! إذ نقل بشكل حقيقي كما كتب منذ آلاف السنوات، فهل يستطيع المترجم أن يخلص لتلك الثقافات القديمة التي عاشها الإنسان قبل آلاف السنين؟ وهل هنالك ذائقة حقيقية تبحث عن هذا الأدب المترجم؟ لا شك أن أدب الرواية وأدب الشعر وباقي أجناس الأدب المعروفة هي إضافة أيضاً لثقافة الناس، إلا أن معظم من طرحنا عليهم هذا التساؤل ظلوا أمام عنفة القصة والخاطرة والمسرح والشعر.. ولم يقتربوا من الآفاق اللهوتية أو الدينية أو السماوية وكل ما يتعلق بها..!!؟

أضف تعليق