حمادة سميسم.. متشرد الأزقة والوحشة يصطاد الجمال السوري.. ويهمل القبح والدمار!

عمر الشيخ
جريدة الوطن السورية
2013-2-10

غادر قناة «الأورينت» مطلع الأحداث في سورية عام 2011، ولم تنصفه وزارة الإعلام السورية بالعمل أو الدعم بقي على هامش المهنة بلا حضور..

تنقّل بين التصوير التلفزيوني وتقديم البرامج المنوعة.. ثم عاد إلى سورية ليبقى بلا عمل!! اليوم يجلس الشاب حمادة سميسم (1985) في غرفته (النصية) ضمن أحد بيوت دمشق القديمة ليحتفل بوحشته وأحلامه عبر لوحاته التشكيلية التي ابتلعت بعض أحزانه.. لعله يولد من جديد مصوراً فوتوغرافياً محترفاً..

ثلاثة أشهر كانت كافية لجذب ما لا يقل عن سبعة آلاف متابع لصفحته (عدسة سورية بامتياز) على موقع فيسبوك، الصفحة التي تنشر صوراً عن جمال البلاد ومرابعها وحاراتها بعدسته الخاصة تحدّى سميسم وجع الحياة وخراب محيطه الاجتماعي والعمراني والروحي من خلال التقاطه اليومي لملامح السحر التي لم ينتبه إليها أحد، قرب الحدائق وعلى أسطح المنازل، في الزقاق العتيق، وبين عرائش الياسمين الشامي غاصت عدسته الفوتوغرافية لتعيد الألق لدمشق القديمة وللتفاصيل التي غيبتها أصوات الرصاص والدخان المتصاعد من أطراف الريف.
رغبة قديمة في تكوين الذات: (منذ الصغر وأنا أرسم وجوهاً وتفاصيل، كنت أغيب عن الوعي من شدة تعلقي بصناعة الصورة ولغز اللون، لذا اتجهت فيما بعد للعمل في المجال الإعلامي بعد تركي لدراسة المعهد الفندقي، عملت كدهّان، أذهلني اللون فغرقت أكثر فيه، لم أدرس الفن التشكيلي، فالتجريب عادة لا يقف عند حدود أكاديمية.. أصبح التصوير الضوئي محترفي الذي أعيش لأجله الآن..) يقول حمادة الذي اقترب من أول تجربة تشكيلية بعد دعم الفنان التشكيلي علي جوهر له حيث منحه دعماً معنوياً ولوحات خام للعمل الفني، تعلق حمادة باللون وراح يفكر بمشروع معرض إلى أن امتلأت غرفته في باب شرقي باللوحات، تراجع عن الفكرة لأسباب تتعلق بمزاجه الخاص، وبقيت أعماله معلقة كأنها تنتظر الحياة الثانية في معرض مستمر لزواره.. من هنا جاءت رغبته في أن تكون الصورة عنوانه وصوته ونصه البصري الذي يمكن أن يقوله بعد أن تخلّى الجميع عنه باستثناء بعض الأصدقاء، أبرزهم واحدة تدعى (سوزان) تحاول دائماً أن ترمم وحدته بدفعها الإنساني له ليتابع المشهد الفني رغم كل ما يحدث.
وحيداً يراقب حركة الحياة، ويعيد الروح للأمكنة من خلال الضوء الذي تجمعه عدسته فينتظره آلاف المتابعين للقطة اليوم: (انعكس الحب في حياتي إلى فن، فأصبحت محبة الناس لأعمالي الفوتوغرافية، فرصة كبيرة أعادت إليّ التوازن والثقة بالفن، لن أغادر المدينة القديمة، فهذا العشق يبدو لي أبدياً..!) يقول حمادة. وحين تنظر في عينيه تشاهد لمعة خافتة للحزن والقلق، وعلى مسافة قريبة يشاهد هو الآخر ما يمكن أن يصنعه هذا الشاب لمقاومة الموت!.. يتنقل بين الحارات الدمشقية ويصطاد الجمال من بيوت الشام العتيقة، مرة ينادي قاسيون من قمة بيت دمشقي حزين، ومرة أخرى تجده يحتضن كاميرته كأنها فُتات روحه الباقي: (هناك ألم طويل خلف كل هذه الصور واللوحات التي تشاهد، ستصادف التشرد كتعبير حقيقي عن صوتي وأضواء صوري، وستقرأ بحب ملامح الوجوه التي تزورها عدستي لأنها ملامح سورية..).
نجد في رصيده تنويعات مختلفة للقطط الشامية، ووجوه عابرين.. لوحات تشكيلية لم تجد طريقاً إلى السماء.. تفاصيل أمكنة نائمة.. أضواء وشموس مختلفة.. أناس تربطهم محبة عظيمة بالأرض.. بعض الحزن.. وأصوات عالية للألوان المتراكمة.. وأكثر من ذلك، لقطات تحكيها حساسية حمادة للصورة، ذكاء في لحظة التوثيق ومحاكاة شعرية للمشهد.
الخجل في الكلام كان يطارد صوت هذا الفنان الشاب، وهو يردد قصيدة لصديقته (ديمة) تحكي عن أرض هجرته، هناك في إدلب حيث أهله وناسه، لعله يشعر بالغربة قليلاً، لكن الشام أعادت إليه دموعه واحتفظت به في قلبها، كما تحفظ كل المجروحين والمشردين الذين طردتهم القبيلة..: (لا أحصد القمح هنا يحصدني قبل أن أرفع يدي فأيمم وجهي شطر السماء وأشهد أني سنبلة أيضاً..) هو الشوق المشترك بين النص واللون إلى تلك الأرض البعيدة في ريف إدلب حيث ضاعت الطفولة والأغاني على أهازيج الرعب والشتات..
حسم حمادة سميسم أمره في التصوير الضوئي، رغم المنع الذي تدّعيه بعض الجهات في حارات دمشق القديمة لكنه يجيب ببساطة: (أنا أصوّر جمال بلادي.. أفضل من أن أصوّر خرابها.!).. ينتمي للأرض في صوته ويقدم للناس رؤيته الحضارية للحفاظ على ما تبقى من ألق في الحياة، يبحث عن الحَمام في الجامع الأموي، فتجذبه وجوه المتسولين الصغار على أطرافه.. يغرق في نوافذ عاشقة دمشقية فتأخذه العيون إلى أجنحة الأشجار ليجمع أغصان الغروب وهي تودع المدينة.
ثمة انتظار في أحلام حمادة، وحكايات ترويها ألبومات عشقه للأمكنة والشوارع والناس، يشعر وكأن الحقيقة في الأفق البعيدة تشرق بوجه سوري وتمسح عن شعرها الغبار والرماد كي تستعد للقطة مدهشة تجمع الناس على محبة هذه الأرض وتنفس ترابها الحنون..!

أضف تعليق