التعبير عن الفكرة بالكتابة أم عبر الصورة أم عبر التدوين؟

تحقيق: عمر الشيخ

مع تقدم الإنسان وتطور أدواته في التعبير عن ذاته بأساليب جديدة، تأتي رهانات الاختلاف والثبات في مفكرة التاريخ أحد أبرز الإشكاليات اليومية التي يعاني منها المهتم في التعبير، ولو تناولنا موضوع الكتابة وقدمها وحضارتها لوجدنا مدى قوتها الاستثنائية في اجتذاب الناس وإيصال الفكرة أكثر من أي صورة أو لوحة ربما، وأمام إمبراطورية «الفيسبوك» التي زاد سكانها عن ثمانمئة مليون شخص من أنحاء العالم، يمكننا أن نطرح تساؤلاً بسيطاً حول أهمية التدوين أمام عصر الصور والسرعة والفضائيات، ترى هل تعتبر الفكرة في النص أو الجمل أكثر تأثيراً من مقطع فيديو لشخص يعبر عن فكرته مثلاً، أو نشر مجموعة صور لحالة إنسانية يمكن أن تقول شيئاً عن مرحلة أو حدث؟
الكتابة هنا هي محور حديثنا، حيث حجزت هذه المعجزة الأسطورية القديمة مكانة حضارية في صناعة الزمن وفصل التواريخ والثقافات عن بعضها، لغات مختلفة، وبيئة حاضنة لا تشبه أخرى، ديانات سماوية وأخرى أرضية.. كلها ساهمت في جعل الكتابة قاسماً مشتركاً في قول الذات، واليوم عبر صفحات الإنترنت والتدوين العربي خصوصاً والعالمي عموماً نجد أن الكتابة قد حافظت على مكانتها وتأثيرها، وسكان الفيسبوك المياومين تحرضهم مخيلتهم على ابتكار عبارات تشبههم، أو ربما مقتبسة عن أحد، تعبّر عن فكرة أو تسد رمقاً روحياً إنسانياً يحتاجه الكائن البشري بوصفه عاطفياً رغم كل العلم والعقل والوعي الذي يمتلكه، كل حسب تركيبته النفسية والاجتماعية.
تطوير ذات
تعتقد لمى عبد المجيد (صحفية) أن الفيسبوك طور مهارات كثيرة في الكتابة لأولئك الذين كانوا يحلمون أن يتقدموا خطوة في الكتابة: «أرى أن الفيس بوك طور الكتابة عند الكثيرين، وأصبح للتدوين قواعده الخاصة وغير المشروطة، من الممكن أن تكتب أي شيء وكيفما شئت وتنشره وتلقى الإعجاب والتعليق، ربما لن تعتقد بأنك كاتب ملهم للبعض إلا عن طريق الفيس بوك، هناك من لم يفكر بالكتابة في حياته لكن تواصله الاجتماعي «الفيس بوكي» فرض عليه الكتابة، وتمرن وهناك من هؤلاء من أصبح متمرساً، ثانياً إن «الفيس بوك» ومن خلال الاشتراك بالكثير من الصفحات أنشأت ثقافة عامة أغنى من تلك الموجودة في كتب المدرسة وإمكانية نقل هذه المعلومات أو القصائد ومشاركتها أتاح المجال أمام الجميع ليتلقفوا المعلومة ويناقشوها بل أحياناً ينتقدوها بلغتهم وثقافتهم البسيطة» أما فيما يخص تحول الموقع للغة الصورة والفيديو فقط تضيف لمى: «أما لو كان هذا الموقع مختص بالصورة، لكنا رأينا تطور العامل البصري عند كثيرين ممن لم يكن يثق أحد بقدرتهم على القيام بأي شيء، بمعنى أن التواصل الاجتماعي الإلكتروني كما أراه شخصيّاً بات مكاناً لتطوير الشخصية الإنسانية، فكلما فرض أداة جديدة سعى الإنسان تجاهها، ربما قد يدل هذا على أن الإنسان في عصرنا الحالي يريد التواصل والتفاعل غير المباشر، وبهذه الطريقة تظهر مواهبه ويتعرف هو على نفسه وعلى أدوات تعبيره الجديدة.
الفكرة
بينما يرى محمد إبراهيم (مترجم) أن الكتابة محاولة للتطور والتغيير وهي أكثر تأثيراً في تجربة توصيل الفكرة: «الفكرة هي الأساس واللغة، هي وسيلة تعبير عن الفكرة والكتابة، هي الأكثر قدرة على تضمين اللغة وليس الفكرة لأن الفكرة تبقى في حالة تطور حتى بعد المعالجة اللغوية (سواء كانت كتابة أو فيلماً) فكم من كاتب نقد كتاباته بعد نشرها، يعتقد الكاتب السوري عابد إسماعيل أن اللغة هي أكبر خيانة للفكرة، هذا الكلام صحيح ولكن تبقى اللغة هي الطريقة الأكثر شمولية من حيث عدد المتلقين لترجمة اللغة (تستطيع ترجمة حبك أو كرهك عن طريق أفعال لكن لعدد محدود من المتلقين) لذلك اتجه المجتمع نحو التدوين والذي يتيح عرض الفكرة ونقدها ثم تطويرها، ويجب الإشارة هنا إلى أن التدوين أفقد النص سلطته التاريخية، حيث كان النقد مقتصراً على نخبة من الكتاب أصحاب العلاقات المميزة بالصحف والمنابر الفكرية، أما عن موضوع الكتابي والبصري فسبب تفوق الكتابي هو عامل المراجعة والانتقاء قبل النشر النهائي (ضع كاميرا فيديو أمامك وحاول أن تعبر عن فكرة ما، ستشعر بخيانة اللغة، ثم شاهد المقطع المسجل ستشعر بالحنين للقلم) حتى المواقع البصرية مثل يوتيوب تعتمد على النقد المكتوب في التعليقات لتوضيح الفكرة» على عكس ما يراه لقمان سحلول (شاعر) أن صعوبة الفيديو والصورة يجب أن توازي قوة الفكرة، عندها يمكن أن يكون التعبير بصري: «إذا كانت الصورة أو الفيديو احترافياً مثل بعض الكلمات التي نقرؤها أحياناً عالفيسبوك ممكن ما يكون في فرق، لكن هذا الأمر صعب تقريباً..».
رهان
يتوافق رأي معاذ زمريق (كاتب- شاعر) مع الأغلبية، إذ يقول: «الكتابة أقدر على التعبير بشكل أدق لما يخالج النفس في حالات منفصلة متصلة تكون أشبه بلوحات تشكل فسيفساء لكنها بنفس الوقت لاتشكل كلاً.. وبالنسبة للفيديو أظن أن التفاعل سيكون متواضعاً، منذ أشهر ظهر موقع اسمه «تاوت» عبارة عن فيديو شخصي لثوانٍ ومتوقع أن يحظى بشعبية أكثر من تويتر وفيسبوك ويحتل المرتبة الأولى بالتواصل والدخول».
بينما ترى مروى ذباح (مهندسة معلوماتية -كاتبة) الفكرة من ناحية مختلفة تماماً إذ تدخل الأنثى وطبيعة تفكيرها فيما يخص الجاذب المادي، تقول: «بصراحة لو كنت سجلت مقطع فيديو مصوراً بدل أن أكتب فستعجبني الفكرة إلى حد ما، ربما لأنني جميلة، وأعتقد أن أي جميلة سوف تتفاعل مع الفكرة، ولكن أي فتاة أخرى ليس لديها ثقة بجمالها لن تتفاعل، إضافة إلى أن المسألة تتعلق بقوة الشخصية قبل كل شيء، رغم الجمال، يجب أن تتمتع المتحدثة أو صاحبة الحالة المصورة بخصوصية في الشخصية، هنالك أشخاص يتوارون خلف صورة وحرف لضعف الثقة أو لأسباب أخرى، عدا عن مسألة أن تضع الفتاة خصوصاً مقطع فيديو لها حتى لو كان عن فكرة ثقافية إجتماعية أو غيرها هو شبه مرفوض في مجتمعنا العربي أعتقد».
اهتمام
أروى الباشا (صحفية) تترك لاهتماماتها الفكرية حيز الاختيار: «أهتم بالتدوين عموماً الأدباء والشعراء، وأشخاص عاديون لهم ميول كتابية، وفي ظل الأحداث التي تشهدها البلاد أعتقد أن عدد المدوّنين ازداد، أعتقد أنه تم ربط التدوين بالسياسة بشكل أكبر من ذي قبل، لو كان موقع «الفيس بوك» بصرياً كنت انضممت إليه، ولكن كان عدد أصدقائي قليلاً جداً، يقتصر فقط على الأصدقاء المقربين، لسببين أن التواصل البصري يحتاج إلى تفرّغ ومعرفة شخصية للآخر بالنسبة لي، كما أن نوعية الاتصال عبر الانترنت في سورية رديئة جداً ولا تسمح دائماً بالتواصل البصري مع الآخرين».
تفسير
علي الحسن (صحفي- كاتب) يترك لعاطفته أن تجيب، ويأخذنا نحو تفسيره النفسي والفكري لهذه الحالة يقول: «الكتابة والتدوين فسحة لفضاء مفتوح على التخييل، ونحن ننتشي بالخيال تبعاً لثقافتنا التخييلية المتكئة على الأسطرة والخرافة ولا ننزع للتجسيد أو التشخيص إلا ما ندر.. نعيش الوهم ونسعد به ولا نريده أن يفقد بريقاً، فالواقع يتخذ أشكالاً من الصدمة أو انتهاء الحالة لما يشكله من حالة موت، فيما التعاطي مع المخيلة يظل له ألق السحر.. خذ مثلاً حضور التلفزيون لم يلق وهج الإذاعة على قلة من يستمع وعلى طغيان الصورة، وعندما يتعلق الأمر بالتدوين لجهة الحالة الأدبية أو الشاعرية فإن الغواية تكون حاضرة، أما الصورة «الفيديو» فإن مشاهدة واحدة تغني عن الإعادة وتحد أيضاً من المخيلة، أضف إلى ذلك أننا شعوب تحب التواري وممارسة دور المتخفي وراء أفكار وطروحات وتسكننا ثقافات «العيب» والانتقادات، ونحب أيضاً التجمّل وإن أحببت أقول لك نحب التصنّع ودائماً نحتاج إلى وقت أطول حتى نعتاد على الجديد الوافد، وقتها يمكن أن ننفتح -كقطيع- على الجديد عندما يأخذ أشكال الاعتياد والروتين.
ويضف علي: «ينقصنا دائماً التجريب ونخشى المغامرة بشكلها الطازج وننتظر دائماً من يفض بكارات الجديد حتى ندخل اللعبة التي أصبحت هنا أو تصبح عادة وأمراً متاحاً.. المسألة بطبيعة الحال تدخل فيها- تشابكاً وتقاطعاً- طبيعة الشخصية العربية في تراكماتها النفسية وحتى إن شئت الدينية لدى الكثير، إضافة إلى التوق الجمالي الذي نعيشه كعرب على نحو مختلف وأحياناً كثير له مشروعيته في أشكال من التناغم.. وإذا كنا نشبه ذاتنا هنا فهو ليس من باب جلد الذات بقدر ما هو توصيف حاال كثيراً ما نجد أنفسنا نعيش حالات من النزوع نحو مكامن جمال في دواخلنا إذا ما أردنا استباحتها طمعاً بالأجمل المفترض فإن نتائجه في كثير من الأحيان لا تحصد إلا الخيبة والاغتراب أيضاً، لذلك تجدنا ننساق مع جديد ما أحياناً وسرعان ما نمارس فعل الارتداد إلى سيرتنا الأولى.. نحن نعيش إشكاليات متشعبة ودائماً على أكثر من صعيد»

أضف تعليق