عمر الشيخ
الكتابة تسلية.. لكنها لعنة القلق الأبدي! هكذا بدت لي منذ دخلت لعبة اللغة حتى هذه السنوات القليلة، كلما شعرت بالتراجع النفسي والهبوط المعنوي أو العكس تماماً، كتبت لكني أغرق بكل الأحوال، حاولت أن أصل إلى ذاتي وأعبر إلى جوهرها الروحي ببعض العبارات. الكتابة تغيير جذري للزمن، وتسويق إنساني لفن الكلام، هنالك كتابات صنعت أشخاصاً وقامات، وكتابات غيرت وجه التاريخ. الكتابة، هذا المنطق الجنوني لترتيب الصوت كحروف ومعانٍ، تجتذب مجتمعات وتلغي أخرى، تبتكر طرق حياة وتصادر أخرى، الكتابة هي قراءة لا تنتهي أيضاً لكتابات أخرى، وأنت تكتب، تستحضر ما قرأت كمحرض معرفي وفني في الاختلاف، تقرأ كثيراً وتعبر أكثر إلى كتابتك، إلى نصك المشابه لك إلى حد مقنع..
القارئ حُرّ وبشدة، لا أحد يفرض عليه أهمية كاتب أو تجربة، الأمر يتعلق بثقافة القارئ وثقته بجدوى الكتابة التي يمكن أن يعززها لديه العمل الأدبي المكتوب، الشاعر الفرنسي “آرثر رامبو” ربما لا يعجب كثيرين من المهتمين بالشعر وكتابته وقراءته لكن ذلك لا يلغي أنه رائد السوريالية الشعرية الجديدة بأوروبا في آخر مئة سنة مضت، وكثيرون هم الذين جاؤوا للعالم من فعل الكتابة، وكرسوا مخيلتهم لكتابة ما يضيف للحياة والناس قيماً معرفية جديدة..
إن خوض التجارب الإنسانية في الكتابة من أصعب ما يمكن، كيف إذا كان الكاتب بالعربية فقط، اللغات الأخرى تكتب ثقافات أخرى، فالروائي التشيكي ميلان كونديرا كتب بالتشيكية آخر عمل له كتاب الضحك والنسيان عام 1978 فأسقطوا عنه الجنسية التشيكية لشدة ما أثرت الرواية في المجتمع التشيكي وسخرت من نظام الحكم الشيوعي آنذاك، فمنحته فرنسا جنسية فخرية وبقي في بارس حتى الآن يكتب بالفرنسية منذ نهاية السبعينيات، هذا انقلاب جنوني ومدهش جعل من كونديرا واحداً من رواد الأدب العالمي لخصوصية ما يكتب وما يفكر في تحليل الهوية.
الكتابة انقلاب حياة، كلما كتبت أكثر تغيرت وولد في دمك حلم جديد، كلما هضمت تجربة ما، وضعت في عربة رحلتك جوهرة ثمينة ستستبدلها فيما بعد بأوراق بيضاء خام للكتابة. جاءت لعبة الحرف والتدوين لتخلق لنا نحن البشر فسحة لا تنتهي من الأفكار والنقاشات واليوميات، هكذا يمكن للاختلاف الفكري أن يولد من شخص إلى آخر، ويمكن للكتابة أن تتصدر عظمة الاختراعات التي وجدت منذ الخليقة على وجه الأرض.
لقد صنعت الكتابة حياتي وأعطتني المفاتيح السرية لأقلع في قطار المغامرة، بعد مرور سبع سنوات على التجريب في الشعر والنثر والصحافة واليوميات والنقد، أعترف أني لازلت أتعلم ولازالت لعبة الكتابة مخيفة وربما قاتلة، هنالك كتّاب ماتوا من شدّ الشعر، وآخرون انتحروا في حضرة النص، على الرغم من هذه الروعة في التخييل واستحضار الروح والحلم والخيال والذاكرة، أظن أن الدرب وعرة كثيراً، أتذكر قول الشاعر الراحل نزار قباني: “عشرون عاماً يا كتاب الهوى ولم أزل في الصفحة الأولى، عشرون عاماً ولا يزال الدرب مجهولاً” لم أتجاوز العشر سنوات في الكتابة، بلا شك، لكن قباني يدفع للبحث عن الذات لا لنسخ تجاربه كما يحدث مع أجيال كثيرة قبلي أومثلي، وبكل الأحوال وضع الشاعر الراحل هذه الأبيات في مقدمة ديوانه الشهير (الرسم بالكلمات) الصادر عام 1966 ويعترف لجمهوره العريض أن درب الكتابة لا يزال مجهولاً، ترى ماذا أقول عن نفسي وكل ما أدعيه بعض الكلمات هنا وهناك..؟
الكتابة خَلقٌ، وطريقة حياة، هل تستحق هذه الحياة أن يكتب ما هو أكبر منها بالقيمة الإنسانية؟ هنا تبقى الأسئلة على انتظار السنوات والتجربة، تبحث عن أجوبة حقيقية يترجمها الإنسان حسب ثقافته وقدرته على التعبير عن فكره وما يجول في روحه من مساحات ملونة بمفردات حياتية وأخرى خيالية وغيرها من قوس قزح الأفكار الجديدة.
الكتابة التي تخلق لنا اتجاهات ومسارات أخرى في صراعات الحياة وتحطيم نمطية العيش، هي كتابة واثقة من أثرها ومن مقدرة فاعلها على الاستمرار في الخلق، أليس من المستحيل أن تعلم أحداً كيف يخلق؟ الكتابة تعلم الإنسان كيف يسأل هذا السؤال وربما تدله على الإجابة رويداً رويداً..
