عمر الشيخ
جريدو النهضة
يتعاقد مجموعة من الكتاب مع الأطفال المتسولين في الشوارع بمختلف المظاهر سواءً من المتخصصين بالبيع الإجباري للعلكة والمحارم أو المتكاثرين على طلب المساعدة لأن الحال المادية لذويهم مزرية، حسبما يقولونه، إنه نص الترهل الاجتماعي يكتب الآن على وقع الانفجارات والرصاص والفلتان الاقتصادي وزحام الشوارع، عقد عن اليوميات والأحداث التي يرويها هؤلاء الأطفال، لا يعرف هؤلاء غير التضرع إلى درجة العبادة لكل عابر طريق في سيارة أو على الرصيف أو ربما مثلهم، لكنه يلبس ثياباً لا بأس بها، في الحدائق توزع الغنائم والطعام النظيف، وعند المواقف الرسمية لسيرفيس يقفون بانتظار توزيع الأماكن، إنهم يحتلون قلق الشوارع كما لو أن الحياة اعتادت هنا على رؤيتهم، لكن وجود الكتّاب في هذا المشهد يبدو غير مألوف، ترى ماذا يفعلون معاً..؟
قال لي أحد الأصدقاء: «إنهم ينقلون تفاصيل لحياتهم السرية هناك في غرف شاحبة تقع عند أحد أطراف العاصمة دمشق، يأخذون من الكتاب مبالغ شبه مناسبة ليومياتهم ورزقهم مقابل الحديث عما يخطط لهم من قبل شبكات التسول الاجتماعية التي نشطت في الآونة الأخيرة» تجارة ثقافية بالفقر، تبدو العبارة دقيقة في التوصيف، ولكن الفكرة تأتي حين يرد أي من رواد المشهد الثقافي اليومي بالقرب من أحد مقاهي العاصمة وهو يرد على أحد الأولاد المتسولين: «صحتك بكاملها.. روح اشتغل بلا شحادة» على الرغم من الصمت هنا يبدو أكثر نبلاً من إجابة الرفيق المثقف، إلا أنه يصرّ على جرجرة الباطن المعقد له بأن ينصح وحسب دون اقتناعه بجدوى ما يقول.
أصبح أمامنا نموذجان من المثقفين، أحدهم يستثمر الحالة الهشة التي وصل إليها هؤلاء الأطفال طيلة تسكعهم وتسولهم على أكتاف المارة، والآخر وجد في نصيحته نقوداً معنوية، معرفية، لا يقدرها الطفل، تفقد قيمتها بمجرد هز المتسول الصغير رأسه وعلق: «شكراً على النصيحة..!» كيف نقول إن المثقف لا يعمل من أجل الشارع؟ هاهو يعمل على ثقافة التسول في فصام يومي، يتحدث عن الإنسانية والقيم التوعوية للمجتمع وينسى أن البلاد في أزمة كبيرة لا تحتاج إلى ثرثرة وتنظير بل إلى عمل أهلي وجدّي في رعاية أولئك الأطفال، لعل نموذج الكاتب الذي لحق ببعض المتسولين ليعرف منهم كيف يعيشون ما هي مصادر توجيههم في الشوارع ومن يحميهم مقابل مبلغ مناسب من المال، ربما وظف ذكاءه في اصطياد أفكار واقعية من الحالة اليومية المتوترة في نفوس الناس من أبناء الشوارع حتى أبناء المسؤولين..!
في الدراما التلفزيونية كنا نظن أن ثمة شطحات في توصيف الحال العشوائية التي تطوق الفقراء في حياتهم، لكننا اليوم نشاهد ما هو فوق الدراما التلفزيونية، إننا نشاهد مآسي بشرية مكبلة بالفقر والوحشة والشحوب، تستثمر بقوة، بلا رقيب، بعد أن أخذت الإنسانية إجازة لها من كل شيء وباتت المصالح الخاصة هي الأمر الناهي في معظم كوارثنا الاجتماعية والفكرية والثقافية التي نعيشها اليوم..
لقد لحق ذاك الكاتب بالمتسولين الأطفال وبائعي العلكة وماسحي الأحذية إلى سراديب حياتهم وتفاصيل يومياتهم، ربما قال لأحدهم إنه سوف ينجز فيلم تسجيلياً حولهم، ولكن ما الذي استفادوا منه هم؟ مكافآات بسيطة..؟ شهرة اجتماعية ثقافية..؟ كلنا يتحدث عن المتسولين كأنهم جاؤوا من المريخ، ألم يفرزهم المجتمع الهش؟ ألم تنجبهم ثقافة الإقصاء والإنجاب غير الشرعية ربما..؟ ألم تأكلهم آلة الاستغلال الضخمة التي تدار بأصابع أخطبوطية لا نعرف أين مركزها..؟
الكتّاب يمكن لهم أن يقولوا آراءهم عبر الكلمات، لكن أطفال الإشارات الضوئية المتسخين بالتسول لا يمكن أن يقولوا إلا: «اعطونا كرمال الله..» ترى كيف يخرج الأدب والتنظير الثقافي بحضور هؤلاء بشكل كبير على مفارق وفي أكبر شوارع دمشق كأنهم عنوان دائم لجرح الإنسانية أمام هول ما يحدث من آلام، ما ذنب هؤلاء ليصبحوا سلعة اجتماعية وثقافية في آن..؟
