عمر الشيخ
جريدة النهضة
الفن يذهب أحياناً نحو الإبداع في نشر المعلومة والتفنن في توصيلها للعالم، ولعل صناعة الأفلام التسجيلية لا تقل أهمية عن صناعة شقيقتها الوثائقية، تلك التي امتزجت فيها مشاهد الحقيقة مع التجسيد التمثيلي لشخوص وأحداث سبق أن وقعت وتداخلت في نموها الدرامي طيلة فترة زمينة من التاريخ، وقناة الجزيرة الوثائقية تقف اليوم كإمبراطورية من المعلومات تقدم ضمن أضخم الإنتاجات الوثائقية العالمية، يقول الإعلان: «يومان في الأسبوع، ألغِ كل مواعيدك خارج المنزل، لا تذهب إلى السينما، ولا تتابع مبارة كرة قدم، لا تخرج للعشاء في المطعم، ولا تذهب مع أصدقاء في نزهة خارج المنزل، يومان في الأسبوع، الثلاثاء والجمعة في العاشرة مساءً أنت على موعد مع أضخم الإنتاجات الوثائقية الحديثة على الجزيرة الوثائقية» هذا التشويق التلفزيوني المختلف في تحضير المشاهد لموعد استثنائي قد يجذب نسبة لا بأس بها من المهتمين إلى حيز البحث والانتظار والمشاهدة، في تمام الموعد كان يوم الثلاثاء الفائت في الوقت المحدد عرضت الجزيرة الوثائقية فيلماً عن (الوصول إلى القمر) رحلة مركبة الفضاء الأميركية «أبولو11» التي غيّرت وجه العالم في نهاية الستينيات، هنا رأينا الشخصية قبيل تحضيراتها وصراعها لأن تقدم إنجازاً للبشرية قبل أن يكون سد رمقٍ لفضول علماء الفضاء الأميركيين، لقد تجاوزت الرحلة الشهيرة حدود الذهول والروعة كما عبّر عنها ملايين الناس حول العالم، التوقيت واحد والكل يتابع زيارة البشر الأولى للقمر.
دخلنا إذاً مع الرواد الثلاثة وتدريباتهم ومنافساتهم وجولاتهم اليومية والتعليمية، كان خليطاً إخبارياً وتوثيقياً يتجسد على الشاشة، كالحلم، على مدى سبعين دقيقة من المشاهد التي تعرض للمرة الأولى بهذا الشكل السينمائي المنزلي، الموسيقا أخذت دورها في خلفية المشهد وأدارت المشاعر والعيون نحو الترقب بين صعود الأحداث وهبوطها، مركبتا فضاء في رحلة «أبولو11» الأولى مع رائد الفضاء الذي يدور حول القمر بمركبة المراقبة ويدعى «هوستن» يصل بين المحطة الأرضية والمركبة الثانية التي حطت على القمر وقد ترجل منها رائدا الفضاء الأميركيان «نيل أرمسترونغ» و«بز ألدارين» الذي قال جملته الشهيرة عن سطح القمر (وحشة رائعة)، الأرض تطل من بعيد، زرقاء كحبة تدور في الأفلاك، والرمال القمرية تتبعثر تحت أقدام الرواد، نشاهد جزءاً من الرحلة الحقيقية حسبما بثته وكالة «ناسا» وأخرى ممثلة بأشخاص يشبهون سحنات رواد الفضاء آنذاك.
على الرغم مما أشيع حول مصداقية نزول رواد «أبولو 11» على سطح القمر عام 1969، فإن الفيلم يذهب بك إلى هناك تقريباً، من خلال هذا التركيب المذهل بين المشاهد الحقيقية وتصوير التقنيات والأدوات والمحيط الاجتماعي والبشري والثقافي كصور وتفاصيل مدخلة على المشاهد «الوثائقية الدرامية» التي استفيد منها لصناعة الفيلم الوثائقي «الوصول إلى القمر»، هنا لا يوجد شك إطلاقاً في هذا العالم الافتراضي المرسوم على هيئة شواهد وحكايات، فنحن نتابع قصة من الحلم والحقيقة في آن، هناك من صدّقها وهناك من نبذها ورفض فكرة تحقيقها أساساً، ولكن ما كل هذا الضجيج التاريخي الذي رافق تلك النقلة العلمية في اكتشاف السماء ولو على هذا النحو من التجريب المستحيلة؟ المسألة متعلقة بالتجريب قبل كل شيء، التجريب أيها السادة، هل نجرب أن نصنع لنا تاريخاً وثائقياً لا تحكمه ذهنية الإلغاء أو تشويه الحقائق؟ إنه الرهان الأكبر الآن على الدراما الوثائقية، الخطورة في الكتابة، المغامرة في صناعة التاريخ، والمصداقية في توثيق الحدث والظاهرة والنقلات النوعية في تقدم المجتمعات.
الفن لا يعود إلى الوراء عادةً ولا يستعرض تاريخه! ولا يطلب من الإنسان أن يطوره ويغير في مفاهيمه حسب تقدم الثقافة، ولكن يمكن أن يزول الفن لو تعاملنا معه كمنتج استهلاكي وحسب، لو تخلّى النقد عن تشريحه ونقده بقسوة، إذا لم يكن للفن وجود في زمن الصراع والحرب على البقاء، فمتى يمكن أن يكون له دور ووجود؟ إنها بيئة خصبة لإعادة تشكيل الإنسانية المحلية وجهات خصوصية السوري بالفعل! بناءً على مفهوم الفن الذي لا جنسية له ولا انتماء عرقياً يحكم نموّه، فقط صورة وصوت وبعض الحياة من هذه الأرض، أرض الخمسة آلاف عام، هل تستحق أن يقام لأجلها خط عمل وثائقي بعيداً عن خشبيات ما تروجه المؤسسات الحالية التي تعنى بالدراما التربوية التي لا تتقدم، إن وجدت..!! هل يقدم الشباب مقترحاً حول ذلك الآن؟ وهل يلوح في المشهد سؤال (هلق وقته هاد)؟ ببساطة كل حسب تخصصه وفهمه يمكن له أن يلعب دوراً حقيقياً في التغيير والنهوض الثقافي بكل ما تحمل كلمة «نهوض» من تعبير، أليست هذه الجريدة تدعى «النهضة» منذ أيام المفكر وزعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعاده؟ هل لنا أن نبدأ بنهضة درامية في مجال التوثيق التاريخي لهذه الأرض الطيبة؟ ثمة مئات القصص التي تتفوق على حكايات الحضارات الأخرى يمكن أن تصبح دراما سورية وثائقية بامتياز..
