عمر الشيخ
كنت أفكر بالنعنع والشوارع الموحشة، كنت لا أزال أتصفح كتاب شعر لصديق عاد للطفولة متأخراً حين جاءني اتصال من طوكيو، من البعيد صوت الصديق الشاعر محمد عضيمة يقول لي: «اعتذر عني للشام ولأصدقائي وللأرصفة والمقاهي، أخبرهم أنني متعب ولدي الكثير من الأخبار يجب أن أشي بها للنعناع وللزيتون..» غصة حادة في هاتف عضيمة من الأرخبيل، يكاد يغرق صراخه في دموعه وضحكاته، غربة كبرى، وجحيم كلمات سيرميها أمام فجيعة الحدث، يأتي صوت محمد كما لو أنه أصوات العشرات من السوريين المغتربين في أعمالهم، يشعرون بحاجتهم القوية لأن يقفوا إلى جانب أرضهم الآن، عضيمة لم يغب عن البلاد كما غاب الآن على الأقل منذ خمس عشرة سنة، نزوله المنتظم مرة في مطلع الخريف ومرة أخرى في نهاية الصيف، لكن الحظ العاثر أبعده الآن، وباتت نوافذ الحديث عبر الإنترنت أو الهاتف كأنها نوافذ رثاء، رغم أننا نضحك في الدقيقة عشرات المرات، لكنه بعيد عن هواء الشام، بعيد عن نهرها، عن جبلها الحزين، محمد يخجل من الجرح المتسع الذي يفتك في تفاصيل الحياة هنا، لكنه يصمت ويحاول أن يصحح المسار ولو بكلمة «الله يستر».
من جديد أعيد قراءة عضيمة الشاعر والمترجم، وأحرص على مسؤولية ما قدم، ترى لماذا لم تلتفت الذائقة لكل هذا المرح الذي كان يصدره صاحب (أصل بعد قليل)؟ ربما كان الناس مشغولين بالأخبار والتلفزيون وأسعار الغاز والمازوت، كانوا يبحثون عن الهمّ بكل السبل، حتى تحولت الكتابات إلى همّ هي الأخرى دون أن تغير فينا شيئاً، لم يكن العطب فيما يقدم عضيمة أو غيره من زملائه الكتّاب والأدباء، لكن الكارثة كانت في اللوائح الجاهزة التي تصدر للمواطن على أنها هي نبراس العلم والمعرفة والأدب من منشورات اتحاد الكتاب العرب إلى الهزل الاجتماعي والفكر في كواليس الوزارات خلال الفترة الماضية وحتى الآن، يقول عضيمة: «يكفيني أن أصل إلى قارئ واحد» هنا أستذكر ما شاهدته في باص النقل الداخلي المتجه من الميدان باتجاه ركن الدين في دمشق، حيث جلس أمامي شاب عشريني يقرأ في كتاب لمحمد عضيمة حول تجربته في اليابان (غابة المرايا اليابانية) على الفور قلت للشاب: عضيمة صديقنا، وسأخبره أنني وجدت أحداً عابراً يقرأ له.. أجابني مبتسماً: «أنا أقرأ هذا الكتاب للمرة الثالثة، سلّم لي على عضيمة» كنت على موعد مع صاحب (ماحدث في السينما) قرب مقهى الروضة، أخبرته قبل السلام عن الشاب العابر الذي صادفته منذ قليل، فرح محمد مثل طفل صغير وقال بكل مرح: «مشاريب الطاولة اليوم على حسابي» وضحكنا..
مرّ عام تماماً ولم يأتِ الشاعر محمد عُضيمة من اليابان إلى دمشق في زيارته الدورية، وكأن شيئاً في ميزان الأصدقاء قد اختل، على الرغم من مشاهد العنف والدمار التي تحيط بنا من كل مكان، لا زلنا بحاجة لزيارة محمد ولوقفته إلى جانب الأرض، بدل أن نرثي هواتفنا وأصواتنا، بدل أن نكتب شعراً ثم نمزق قلوبنا ونسكر على رائحة الوجع، لا بد لنا أن نستمر، بالكلمة بالصوت بالأمل، وإلا الأجدر بكل ما كتبناه عن مقاومة اليأس أن نرميه جانباً وندفن رؤسنا كالجهالة بالأرض، ألسنا أحد من يبعث الأماني والأمل والفكاهة والتجربة والقصيدة والصورة في تفاصيل حياتنا؟ لماذا إذاً علينا أن نموت قهراً وفراقاً ويأساً؟
أعود للنعنع وللزيتون والياسمين، أعود للرائحة التي ألهبت قلب صديقي البعيد، أعود لأشحن روحي بها، أتقوى من بياض الياسمين المترامي كجثث الملائكة على الأرض، ألتقط صورة لي وأنا أقبّل هذه الأرض، رغم كل شيء يا عضيمة ثمة موعد في مقهى الكمال الصيفي، ثمة عنوان جديد في دار التكوين ستعلق عليه ونضحك، ثمة أصدقاء وأمكنة وكتب ورسائل ونساء وشوارع عليك أن ترمي لهم التحية والسلام..
صديقي العزيز..
لطالما كنت أحب هذه الجملة التي انتمت لك بقوة، بعد مرور سنتين على إطلالتك في جريدة النهضة، سأقول لك ببساطة النارنج وضيائه: «اشتقنا لك.. كل عام وأنت بخير يا حمودة..».
