فنون الرسم والنحت والتشكيل والتصوير في ازدواجية الحياة: من يعترف بالفن كمهنة؟

ماذا يضيف الفن للحياة في حال كان الفنان موظفاً عادياً
هل يؤثر عليه أم أنه يعيش كل شخصية على حدة؟

منذ بداية الخليقة كان الفن معياراً حضارياً تتبارى به الأمم إلى جانب العلم والاختلاف في طرق العيش وتطورها، وتنمية المجتمعات، واليوم إذ يواجه الفن آلة الإعلام والانتشار يبتعد عن الخصوصية أحياناً، ويغرق في دوامة العمل الإلزامي أحياناً أخرى، أي قد نجد موظفاً في مؤسسة الكهرباء لكنه شاعر متميز وفي الهامش الإبداعي للمشهد الفكري، أو قد نجد رسام كاركتير استثنائياً يشغل منصب مدرس عادي كما أي مدرس لا قيمة له إلا راتبه وبعض الرهبة الطلابية في صفوف التعليم، تتعدد أسباب نزوح الفن عن دوره وآثاره اليوم عندما يلجأ الفنان للبحث عن لقمة عيشه، في حين لا توفر أي من إمكانياته الإبداعية دخلاً محترماً يقيه عيب التسول..!!
حين تخلق الموهبة في باطن الإنسان، لا تبحث عمّا يسد رمقها من طاقة، إنما تذهب باتجاه التخصب والانفجار وتصبح بوصلتها العطاء والنمو الحقيقي كل حسب ما يبرع به، لكن الفن في هذا الزمن وربما كل الأزمنة لا يصنع أثراً راهناً ومباشراً إلا ما ندر، فكثير من الفنانين والمبدعين الذين رحلوا، اكتشفت إنجازاتهم بعد رحيلهم بسنوات، وماتوا فقراء ومعدمين، عرباً وأجانب، من كل بقاع الدنيا، جنسية الفن هي تميزه وخلقه للحياة من جديد، فهل يبحث الفنان عما ينقذ حياته من التهلكة في حال أصابه جنون الفن بقي يرسم أو ينحت أو يصور ويكتب حتى الموت دون أدنى فكرة عما سيحدث له لو بقي مغرقاً في هذا العالم دون الالتفات إلى حياته العملية، بين العمل وبين الموهبة أين يقف الفنان بشخصيته وكيانه الاجتماعي؟
بعد التقاعد..
هاني عباس رسام كاركاتير، يعمل موجهاً تربوياً في إحدى المدارس، لم تمنعه وظيفته من الاستمرار في حلم الرسم، حاول أن يتقد أكاديمياً لكلية الفنون الجميلة لكنه لم يكن يمتلك الواسطة كما يقول، وبقي خارج نطاق الدراسة إلى أن حرضت طاقته الفنية أضعافاً مضاعفة ليكون واحداً من أهم الأسماء العربية التي ترسم الكاريكاتير الساخر يقول: «مع أنني كنت حاصلاً على ثلاث جوائز مرتبة أول على مستوى العالم في الرسم، إحداها من الأمم المتحدة وأنهيت عدة دورات تخصصية في الفن التشكيلي، لم أقبل في كلية الفنون الجميلة لعدم توفر الواسطة والدعم.. تركت الدراسة بعدها سنتين وتفرغت للرسم، إلا أن الحياة تتطلب وظيفة تابعت بعدها دراستي في التربية لأصبح في نهاية الأمر موظفاً، بالتأكيد الأمر صعب، والصراع سيحتدم بين الفنان والموظف في داخلي، محاولة مستمرة للتعالي، يصاب كلا الشخصين فيّ بجروح مستمرة، أنتظر التقاعد قريباً والتفرغ للفن بشكل كامل!
حاولت أن أضيف شخصية الفنان إلى شخصية الموظف وبالعكس، يؤكد عباس، ويضيف: «يعني أصبحت موظفاً بنكهة فنان وفنان بنكهة موظف، لا يمكن فصل الشخصيات عن بعضها وإلا سيكون هنالك نوع من انفصام الشخصية، لكن يمكن القيام بعملية عقلي ولا إرادي عند الرسم بحيث لا يمكن أن يؤثر على الفنان أي شيء آخر كالوظيفة بالمعنى الإلغائي للتأثير، لأن ذلك يضعف الفكر، أما الفن فيقوي الشخصية عند القيام بالعمل الوظيفي، من خلال التعامل مع الطلاب والمدرسين، الفن هو عمل وليس مهنة!».
شراكة الفن والعمل
رولا أبو صالح، فنانة تشكيلية، تجد من خلال تجربتها التي جاءت من معهد للمحترفين أن الموهبة هي التي تحدد اتجاه الشخصية، فكلا التزاوج بين الفن والحياة هو نمو طبيعي لشخصية الفنان، وتسرد أبو صالح عن بدايتها فتقول: «الفن ليس فقط مهنة، فهو يعني لي الكثير، رافقني طوال رحلة حياتي ولازمني أكثر من الطعام، رافقني منذ طفولتي حين كان أصدقائي بالمدرسة يضعون دفاترهم على مقعدي لأرسم لهم، في حين تنتهي الفرصة، لطالما حلمت أن يدخل الفن في مجال عملي، عندما كنت صغيرة وبدأ الحلم يتحول إلى حقيقة، عندما أصبحت في سن الخامسة عشرة، واشتغلت بتصميم الرسومات على ثياب الأطفال، ثم اتسعت آفاق الحلم في سن السابعة عشرة عندما اشتغلت بتصميم المجوهرات في ورشة ذهب (شمع أزرق)، لم أستطع دخول الكلية لعدم وجود الواسطة! وعندما ذهبت لمعهد الفنون التطبيقية الذي تقدمت لفحصه بعد البكالوريا اكتشفت أن لوحتي المتميزة اختفت أو ربما سرقت وتغير التوقيع متل العادة..!».
وتؤكد أنه على الرغم من تعلقها بالرسم بقي هاجس التعلّم ملازماً لها فذهبت نحو علوب الآداب لتدرس الترجمة، ربما بحثاً عن عمل في التدريس أو ما شابه، تضيف: «درست بكلية الترجمة ورغم حبي الشديد لتعلم اللغات لم أستطع المتابعة لأن في داخلي شيئاً يشدني إلى الرسم ولا شيء غيره، فانتسبت لمركز أدهم اسماعيل، كان بدايتي لأجمع بعض المعلومات عن عالم الفن فقد طورت نفسي بنفسي من خلال قراءة كتب عن مدارس الفن التشكيلي وعن الفنانين واجتهدت لأكتسب المعلومات والخبرة التي أعرفها اليوم، عانيت كثيراً في هذا المجتمع البائس المبني على ثقافة إفشال الآخر. كي يتحول الفن إلى مهنة يحتاج إلى أن يطوره الشخص وتتوفر له البيئة والجو المناسب لفنه، وتلك من أهم النقاط ليبدع الفنان ويطور فنه، وينشره وأن يتوفر له مناخ يتفاعل معه سواء كان مناخاً فنياً أو اجتماعياً وأحداثاً وجمهوراً، أما إذا كان الفنان موظفاً عادياً برأيي فالفن يضيف لمسة إبداعية إلى عمله ويجعله أكثر نجاحاً على كل الأصعدة، فالفنان مبدع بالأصل فكيف إذا أضاف هذا الإبداع إلى عمله؟ بلا شك سيكون لعمله طابع متميز».
الفن مهنة أيضاً..!
باسم صباغ، مصمم غرافيك، يعتقد أن انتقال الفن إلى مرحلة الاحتراف يصبح مهنة، ولا مشكلة لديه في ذلك، فهو منكب على تصميم أغلفة الكتب وتصاميم أخرى وله نظرة خاصة في موضوع تحول الفن إلى مهنة، يقول صباغ: «عندما يتجاوز الفن مرحلة الهواية بكل تأكيد يصبح مهنة، وكلما أوغل بالاحتراف أكثر يوغل بحرفية المهنة من جهة مزاج الفنان ومن الجهة الأخرى والأهم مزاجية السوق، على الرغم ما تتضمن هذه المهنة من حلاوة بقدر ما تواجه صعوبات، هنا تختلف تقنيات الفنان وتكنيكه بالعمل الفني بين ما يطمح إليه من وصول إلى سقف العمل الفني وبينما ما تفرضه عليه المؤسسة الراعية له، بالفن التشكيلي خاصة الظرف الذاتي غير كافٍ لتسويق الفنان، دائماً يحتاج إلى مؤسسة من أجل عمله الفني وهنا أقصد الصعوبات التي يواجهها في إرضاء جوهر عمله الفني وما تفرضه عليه المؤسسة الفنية التي يتعامل معها. انطلاقاً من هنا ومن مقولة بيكاسو الشهيرة (الفن قفزة في الظلام) لا يستطيع الفنان، وهنا أقصد الفنان الاحترافي الالتزام بمؤسسة عمل وظيفية، ليس لأنه حالة خاصة أو متفردة ولكن نتيجة تقلب المزاج بالعمل الفني، وهذا ينتفي مع شرط العمل المؤسساتي من جهة الالتزام، ومن الصعب أن يعيش حالة الازدواجية تجاه العمل الفني، أعتقد متى بدأت فكرة العمل الفني بالتبلور صعب أن تتوقف في ساعة معينة تتركها إرادياً ومن ثم تعود للعمل عليها في وقت آخر، في النهاية أعتقد أن كل فنان موظف، هو فنان لن ولم يستطع أن يبوح بكل شيء خطر في باله بمسيرة عمله الفنية».
بوصلة حياة
ساندي أحمد، نحاتة شابة، كان لها بعض المشاركات المحلية، تعلمت في معهد الفنون التطبيقية بعض المهارات التي أكسبتها إلى جانب موهبتها مقدرات أخرى على النحت وتشكيل المواد فنياً، تقول: «الفن بالنسبة للبعض ومنهم أنا شخصياً هو عطاء قبل أي شيء آخر. هو تلاحم مع الذات مع المحيط الخارجي الذي هو المجتمع لبث رسائل إنسانية وتجسيد حالات وتحولات فردية أو جماعية تبعاً لظروف المحيط، فإذاً الفنان بالفعل له دور كبير في تسليط الضوء على الكثير من القضايا، أي إنه بالفعل يوجه الأنظار حول الكثير من الأمور، إذاً هو موجه حقيقي وتنبني على عاتقه الكثير من الأمور بخصوص نوع القضايا المطروحة وليس الكمّ المكرر».
وتؤكد أحمد أن معيار البيع والتجارة في الفن ليس الحكم ولا هو الهدف، إنما ذاك الجانب الإنساني الذي يشبه الروح ولا يقدر بثمن: «لا يمكن للعمل الفني أن يتخذ منحى تجارياً بأي شكل من الأشكال مع أن الكثير من الفنانين أصبحوا يمتهنون الفن كمهنة وليس كهاجس. وأيضاً البعض من الفنانين يفضل عدم الخلط بين الفن الذي يخلق مع الذات وبين المهنة التي تؤمن مردود العيش. وكل ما نتمناه من الوزارات والمديريات المعنية بالوسط الفني التشكيلي الاهتمام والدعم بشكل حقيقي وفعال أكثر من الوقت الحالي ومن أوقات مضت».

أضف تعليق