جرمانا.. نزيف حاد

حين كتبتُ مجموعتي الأولى (سمّ بارد) في مطلع العام 2008 كانت جرمانا هي الأمّ الشرعية لنصوصي، عشت فيها عاشقاً وعاملاً، كانت مدينتي الصغيرة التي منحتني الوقت والبشر والأمكنة والحب والأضواء والصخب، ذوّبت ذاكرتي فيها وتركت هي أحزانها الصغيرة في عناويني، لم أكتشف طيلة سنوات أن ثمة مدينة تتألق في اختلافها على أطراف دمشق وتكتنز بخجلها وأحلامها، من عشوائيات حي الميدان المعتق إلى جرمانا الملونة مسافات من الاشتياق والأسرار المكتومة، كانت بيتي وحلمي وألوان قصيدتي الأولى، تتطاير شظايا عيوني إلى شرفات المنازل الساهرة، الأطفال تنظر ذاهلة إلى الغريب الذي عبر الياسمين في «كرم صمادي» تاركاً شوارع قلقة من الصمت، وراح يدوخ على إيقاع «الجناين» حيث تسرق من خطواته قليلاً نحو شارع «الوكالة» بالقرب من ذاكرة الحب الأول، إلى «الروضة» عمقاً تحتشد البيوت كأنها في رقصة الإسمنت الأخيرة، تشهق أبنية وتتسع فسحات سماوية، المشهد في جرمانا قريب جداً من تكوين سورية الاجتماعي والثقافي.
أضعتُ شيئاً من روحي في بيوتها، نسيت كأساً في حجرةٍ على أحد أبنيتها الطيبة، لم أتفرغ لقصيدة كما تفرغتُ لحبيبة هناك، لم أسأل عن شوارع كما سألت عن المحال والكتب والأطفال في حاراتها الصغيرة، كنت ألهث خلف الروائح الريفية للعطر الإلهي على ضحكات أرصفتها، وكما كل قطرات بلادي، جاء الموت يطارد تفاصيلها، كما نال من جروح دمشق وأخواتها، ها هوالخراب يؤشر إلى ضرورة الحياة، ها هو الصوت يأتي من قلوبنا: لن نموت نكاية بكل شيء.
يدخل الأحمق إلى عروق جرمانا ليثقب منافذ تدفق الدماء، تلسعه أحزان المسيح، يعود مرة أخرى إلى سطح الجرح ويفرز خفايا الشيطان ولعنة نعراته، تسقط كل الوجوه عن أقنعتها، ويظهر زيف الحكاية، لم ينتبه الأحمق إلى أن جرمانا البنت البكر الحلوة للريف الدمشقي، ترعى الجميع وتحرس حزنهم، تهمس للعشاق وتسقي الندامى نخب الحياة، يتراجع الأحمق لمخططاته ويفكر في تجديد النزيف، تصفعه السماء، وتصفعه أرواح الشهداء، ثمة حياة اسمها جرمانا لا يمكن أن تتوقف عن التنفس والبشر والأغنيات والصخب..
لا تسكن هذه المدينة الصغيرة على ضفاف الصوت، إنما تعيش العصافير على شمسها، وترتل التغريدات خشوعها على إيقاع أجراسها، مهما تعالى صوت الرصاص حولها يظل قلبها خافقاً بالحب والتسامح، لا تنتظر من أحدٍ أن يرثيها أو يكتب عنها، فهي في مصاحف السماء آية من الأسرار المرحة، وعلى أقواس الكنائس تنحت أنوثة ترابها، جرمانا ليست الضوء السري الأخضر، إنها ديوان شعر يتساقط منه التين والتفاح والنبيذ، أين من قلب كبير يتسع لأقواس قزح وفسيفساء معقدة بحسنها وتنوعها واختلاف ثقافاتها كما في قلب جرمانا..؟
صديقتي جرمانا، لا أكتب عن نزيفك، إنني دون هذا الشرف، لكنني أبعث برسالة مستعجلة إلى قلبك.. إلى جانب كل هذه القلوب التي تراقب المحاولات البشعة في طعن سلامك، كلنا ضيّع روحه حين اهتزت شرايينك، كلنا يا صديقتي الغالية شاهدنا ألم سورية في غصتكِ..
مهلاً جرمانا، سنكتب شعراً كثيراً، وسنعشق في زقاقك ما استطعنا، سنقطف كل ياسمينك لينبت الحب أكثر في ترابك، لا تنامي ولا ترتاحي من الغرام، كلنا لكِ، في دفاترنا الكثير من الحكايات يجب أن نقولها لجدرانك، في أجسادنا عشرات الرقصات، لا بد لهذه الأعصاب أن تتلف فوق أرضكِ..
يا بنت دمشق الطيبة رديّ ضفائرك الذهبية عن جبين الشتاء، وأمطري هذا أيلول أوان الاشتياق يتألق على مرايا الجميلات، وبساتين الصبار في كفرسوسة تهديك عسلها ليشفى الجرح بسرعة، لا تتوجعي فكل هذه الأرض تثاقل صراخها حين غدروكِ.
لا أفهم في الأمكنة أبداً، لكنك التصقتِ بقلبي منذ القصيدة الأولى، وأصبحت ابتسامة جسدي التي لا تظهر إلا حين أرتاح على أحد أرصفتك المزدحمة، أصبحت قدماي تركضان بجنون نحو أول زجاجة دوخان تعصرها يداك في مدى هذه الجراح الطويلة.. صبراً على النزيف، ثمة حياة أخرى اسمها جرمانا..

أضف تعليق