عمر الشيخ
جريدة النهضة
يقدم الشاعر الإيطالي “أبومانو” في كتابه (شظايا) الصادر حديثاً عن دار التكوين- ترمجة أبان الزركلي، مجموعة حكايات من وحي ساحة المعركة، مستحضراً من خلال تلك المشاهد لقطات إنسانية تتجلى في صدقها ومقاربتها للسلام رغم كل الموت المحيط بالعالم الآن، لم يستند أبومانو إلى تجربته هذه إلى أساطير وأحداث تاريخية، إنما كانت مرجعيته الحياة الحسية والخاصة بأشكالها وألوانها لندخل معه في تماهيات هذه الكتابة على أثير نضال الشعب الفلسطيني وباقي شعوب العالم التي تحارب الظلم وتتحدى الخوف لتأخذ حقوقها.
نلاحظ في أقسام هذه المجموعة تنوعاً مختلفاً لمجموعة شخصيات تعيش لحظة ما، يقع توقيتها في أوان القصيدة، إذ يلتقطها الشاعر كأنها فتات حرب ليخلصها من قبضة الرماد ويطلقها إلى مساحات الكلام لعلها ترسم صورة عاطفية تتذوقها الروح وتبتعد إلى عمق أثرها وتأويلاتها، للمكان هنا حصة في تكوين تلك الصورة، فنحن نتنقل من مخيمات اللاجئين إلى أنفاق المحاربين مروراً بساحات المعارك وصولاً إلى دفاتر الجنود والغرباء الذي أتت عليهم الحرب وغيرت كل حياتهم ليصبحوا شعراً وربما ذكريات خارج سياق التاريخ والموت..!
كما نشاهد الشاعر مرة راوياً، ومرة بطل قصيدة، ومرة أخرى يغيب في خواتم الفصول ليظهر موقعاً لوحة ما أمام تلك القصائد، لا يحضر بوصفه ضمير الغائب، إنما ينسج هذه المشاهد في عالمه الشخصي وبأدواته الشعرية متنقلاً من إيقاعٍ إلى آخر بين الألم والفرح والحب والأحلام..
شظايا الحرب
في الفصل الأول من المجموعة، اختار الشاعر أجواء “الحرب” ليتحرك ضمن هذا التصور إلى ما تخلفه من شظايا دمار، بأسلوب توصيفي يحاكي من خلاله الواقع كأنه يحرضه على الكلام، وينهر الخراب على أصابه الطويلة التي امتدت إلى كل شيء، فتصبح الصورة المتساقطة على القصيدة أكثر صخباً من حيث أنسنة الأشياء التي طالتها آلة الحرب دون رحمة:
يا الضاحية
المتعظمة من السحر
كل شيء فيكِ صار
دون بسمات
كل شيء منك يتقدم
فظاً
بين الصراخ والصمت.
هي إذاً الصرخة المموهة بالدخان، الصرخة التي أطلقها الجدار الآيل للسقوط، لضاحية ما، ربما في بيروت أو فلسطين أو أي بلد يعيش جنون النزاعات، حيث تختبئ في القصور دروب السكاكين، وتحرس أصوات الكلاب نرجيسة أصحابها، بينما يجلس التاريخ على قارعة الطريق وينظر إلى الحرب دون أن يفعل شيئاً لأنين الأمهات اللواتي فقدن أولادهن أثناء زيارة قصيرة لقطيع من الرصاص:
في المدينة المدّرعة
تتحزم القصور بالكلاب
من أجل التاريخ الذي ينعاد
تاريخنا الأوحد
وتبقى كاتمةً
الأمهات اللاتي تعرفن.
عجوز خلف الزاوية
يجهز طلقته الأخيرة.
تتقد لدى الشاعر في صور الحزن بعض مشاهد الأمل، فيثني على الألم ويشكر حضوره، لكنه يدعو التفاؤل إلى أسراره حتى ينزل بجناحين إلى زهرته، فنجده يصور الحرب كما لو أن المشاعر متحدة والرغبة في العادي تقبض على كل الظهور التي لا تلاحظ في الأحوال العادية، فيقتنص من الزمن وقته ويلتقط صورة لفراشة حرب:
يا فراشة معسكر الحرب
اهربي!
إلى أسفل التل!
بسرعة!
إلى المدينة التي تموت!
حيث لا تزال تنتظرُ
زهرتي..
إن براعة أبومانو في بساطة اختياره لمفرداته وحياكته الشعرية للحكاية كما يسميها بمزاج مختلف، فتقله المخيلة إلى حيث الألوان من جديد، يرسم بها قوس قزح من سماء الألم إلى جسور القصيدة، متباعداً بين الضوء والكلمة، لتنعكس مراياه على الحروف بشفافية اللقطة وذكائها المبني للدهشة، تبدأ القصيدة كأنه سيرة عادية ثم تنقلب في وسطها إلى فيض صور وعبارات شعرية تمس بعضها البعض بواسطة وجعها، يوجه الشاعر حزنه ويتركه يتناثر ببطء وهو يوجه كلامه لقوس قزح في الحرب:
ضوء الرعشةِ
بين الروائح الحامضة
للجثث الضائعة
تحومُ فوق الحفرِ على البحر
فوق حواف الحرب
كانتَ أحلامَها القصيرةَ
خطوتَها المجنّحة
ووعودَها العذبة.
مثل شهب ألف رشقة
ركضنا لنلاحق
مداعباتِكَ الجميلة للألوان.
شظايا الحبّ
يعتقد الشاعر في هذا الفصل بخلاصة شعرية وتنظيرية لمَا يكتبه من قصائد على شكل شظايا حبّ اخترقتها التغيرات الواقعية التي تحدث على الأرض في ميدان السياسة والمجتمع، فهو يعتبر أن صانعي الهوّات البشرية يملؤونها بسربات الخواء وبالانفعالات الجدباء التي تهوي بنا أكثر وأكثر، بينما تشكل سربات الشعر النقيض من ذلك، لأنها بحسب أبومانو، الوجود الذي أبعد من الهوّات: (إنها أن تصير حيث كنا قد أقصينا، يريد الشعر أن يعيد توجيهنا: فيما بيننا، في الحياة، غير مقصيين بعد الآن) فجاء الفصل الثاني من هذا الكتاب ليدخل أكثر إلى عوالم الحب، كحكاية شعرية، وكمشهدية متداخلة في القصائد الرافضة للموت:
مُبْتَعَثٌ من صوت النُويّةَ
مجيءُ ظهركِ
يصرخُ من الصمتِ الطويل
وينفلت من جسدكِ.
بينَ انهيار الكلمات
تترذَّذُ قطراتُ الغبطة.
في المقطع السابق يدخل الشاعر إلى مخدع الأيروتيكية المباشرة، ويصف ما يشعره كجندي يستريح من الحرب لبضع دقائق، فيعلق مشهد الحب ذاك في مخيلته، فتغيب المخيلة والتشابيه التي اعتدنا عليها بباقي المقاطع وتحضر المادية الفعلية المتعلقة بطبيعة الكائن ووظائفه الإنسانية ومنها الجنس كما يبدو سابقاً في التقاط صورة النشوة هكذا، أما في مقطع آخر يلجأ الشاعر إلى إدخال مفردات الحرب في لعبة القصيدة ضمن شرطين فنيين هما: التهكم الباطن والنداء البطء، حيث نلحظ مدى حرص الشاعر على دمج لحظة اشتعال الحرب بهشاشة القلب المخفية كما لو تجربته مع المرأة كانت حقبة تاريخية أو عاطفية أو شعرية:
أمضي أستمع إليك في كل حالة
في كل حبٍّ مُتأمَّل.
المرتزقة صاروا على أبواب الحرب
الأغاني المتعجرفة والتحياتُ الإمبريالية
تعود من الألم.
نراجس في ميدان الموت
تتجمع في خوفنا
تهزأ بيني وبينك
من حبّنا الهش.
الشظايا الباقية
“إن التفكير يبحث عن المعرفة ويلاقي اللغز. واللغز ألم عميق ومتعةُ صميميّة ما إن تحدثه حتى تنبثق الحاجةُ لمشاركته ومواجهته مع وعينا حتى التعرف على ذاتنا. من المجهول يستقي المعلوم الحياة ويبدو أن هذا يحصل بفضلنا.” هكذا يختم أبومانو فصله الأخير من مجموعة شظايا، مقدماً للمجموعة الأخيرة من القصائد تحت هذا عنوان “الشظايا الباقية” ليقترب من الفكرة أكثر، وليكون المعنى في حكمته هو الصورة القريبة لهذه الأجواء التي فرز على أساسها مجموعة القصائد كما أسلفنا:
تقع الشظايا
من الأصوات المتكسرة
تتدلدلُ معلقة أرجوحةُ
لابسةً الضحكاتِ والخوف
هناك.. محطمة من الصمت..
نلاحظ في هذا الفصل من الكتاب اعتناء أبومانو بالفلسفة وحرصه على تدوير الرؤيا بما يراه مشابهاً لباقي تفاصيل القصائد الأخرى، ويعتمد أكثر هنا على التكثيف في الصورة، والبلاغة الفكرية الباطنة، بحيث تأتي المكاشفة من تناص الفكرة مع أشياء مشابهاً لقسوتها بالمعنى المادي كما في نص الزمن والصخرة:
على حجر الجبل
يكسر الزمن
يخترقُ هناك
حيث يصعب حفر المسار
يكتشف الحلم الذي لا يموت
للصدفة القديمة
صارت صخرة.
في نهاية المجموعة، يتجه أبومانو نحو الأمل كما يفعل الشعراء عادةً، يتركون مفاتيح الأمل مشرعة في النهاية، ربما تتحول الشظايا إلى وردة أو صوت أو حلم، وتعود خطوات جديدة كما يقول إلى حياته لعله يتجاوز بقايا الحروب العالقة في آلام الشعراء:
كلما اقتربتُ
أحسست بالوحدة أكثر.
تحترقُ الشظايا من العمق
أنتزعها
أكمنُها داخل الكلمات
تشكيلاتٍ مكتوبةٍ مرتبة
في الانتظار
على متراس الزمن.
رسوم وترجمة
على طول المجموعة إضافة إلى تقديم شعري لكل فصل بقلم الشاعر، نلاحظ تقريباً تواجد لوحة مع كل قصيدة ترمز إلى دلالة معينة تتعلق بتأويل القصيدة أو بإضافة مفاتيح شعرية لها، بحيث تتداخل ألوانها ومنحنيات خطوطها لتشكل “قصائد فنية” تحاكي بالرسم القصائد المكتوبة، فإما أن تكون الرسمة قريباً من جدلية العنوان أو أن تتعلق بتعبير لفظي من القصيدة يشتغل عليه تجريدياً، هنا يشارك أبو مانو إلى جانب راسمين هما (سلفاتوري بومباتشي- ستيفانو بومباتشي) بوضع بعض اللوحات الانطباعية والتجريدية التي أعطت الكتاب تجانساً بصرياً يتماشى مع الطبعة الثانية من القصائد التي كتبت بالإيطالية، ليستفيد القارئ العربي والأجنبي من هذه التجربة من خلال ثقافتين مختلفتين بصوت واحد.
يذكر أن الشاعر الإيطالي هو فنان أممي مناضل في حركة التحرير الفلسطينية منذ زمن طويل. نشر مجموعات من القصائد والقصص لدى دار “ديلا باتاليا” ودار إلى الأمام” كما شارك بلوحاته في معارض مختلفة.
أما المترجم أبان الزركلي، فهو موسيقي وعازف كمان سوري مترجم لمواد موسيقية وأدبية مختلفة وعديدة.
