عمر الشيخ
جريدة النهضة
عندما كتبتُ مرةً عن (أثير الليمون) ذهبت إلى أحلامها خلف سور الصين العظيم، لكن مشاعرها ما لبثت أن سقطت على عتبات الجديّة، حتى أضاعتني وضاعت، أخذتها الأرض وبات لي حصة في قتلها على الصفحات..! لم أرث العنف في الكتابة كما ورثته من هذا الوهم الممتد من دمشق إلى بكين، كنت أعتبر أن أثير الليمون هو دواء الغربة ولكن عبر نوافذ اللقاء الافتراضية، تلك الكاميرا البسيطة التي تقلّ وجهي إليها مختصرةً قطع مسافة نصف الكرة الأرضية، لم تكن للتواصل فقط! وهي تقبع بفساتينها الصفراء لتحكي لي عن حبّها في النيل وحلمها أن تصبح جزءاً من تلك الأرض..
في زيارتها الأخيرة لدمشق، أغفلتُ رؤيتها ولم أكتشفها، بقي اسمها يدل على مفتاح جديد لحكاية مسلية، كنت أراها عند المصعد بأفرولها الجينز، فتثير رغبتي بعناقها قبل كل شيء، كانت مثل مهجة ماكرة تتسلل إلى ساعات فراغي في الطرقات وكنت أعبر إليها بنظراتي كأني لا أعرفها من قبل، مضت في سفرها لتطلّ عليّ عن طريق وسائل تعزيز الوحشة الاجتماعية إلكترونياً، ابتسمت وخزنت في مخيلتها لحظات من غموضي وصمتي، في حين كنت أتشمس في دهاليز قلبها الخائف، رأيتني أنشد على أثير الاشتياق.
كانت دمشق محرضاً حسيّاً لذكرياتها، أدخلتني إليها بأكسير الكلمات فسلمت للعبة عنقي وذهبت إلى مخيلتها، تبارينا من منّا أكثر عشقاً للأمكنة، خسرتُ أمامها، وربحت هي كل ذاكرتها لأبقى أنا خارج هذا الحريق، لم أطمح لأن أصبح جزءاً من مغامرتها، بقيتُ قرب عينيها الطموحتين لا أبحث عن حسنها العادي، وأعلقُ في أسئلتها الصعبة، فجعني غيابها عن قائمة أصدقائي في الفيسبوك، حقاً هي لم تكن صديقة، لطالما تحملت هذه القائمة بعض الناس الذين لا يعنون لي شيئاً وبقوا فيها كأنهم أصدقاء ولا أعرف معظمهم بشكل جدي، ربما رحلت هي قبل أن تطولها مصيدة الكلمات، وتعيد حساباتها إلى نقطة البداية، أضحكتني القصة في صباح يوم صيفي وأنا النازح الصغير في غربة طويلة يطولها الخراب من كل مكان، أضحكتني إطلالتها من الشاشة وهي تردد اسمها لتبدأ نشرة أخبار مفصلة..
خدعتني حديقة مكتبي وصوركِ وصوري وكلماتي، كل شيء كان خرافة، كل شيء في الصفحات طبعاً وفي اسمكِ واسمي وسرية الحكاية، ومسرحية الحب الصوفي التي كنا سنلعبها على خشبة الحنين لمدننا المقتولة..
صوت في الرصاصة الجبانة، ورتق للجراح الهوائية بيننا، ولا شيء يا قصتي الصغيرة يستحق منا أن نلهو به أو نفكر في اصطياده على صفحات القلب، لأن ما نذهب نحوه يشبه غابات محترقة مرت عليها همجية المغول والتتر وعاثوا في طبيعتها خراباً عظيماً..
لا أجد طريقاً للسفر هرباً من الخراب، في حين يطاردني ضوء الصور التي لم تحمض بعد، أحزم أوجاعي الدفينة على أرضي ويتسرب صوتك من البعيد: «حاول أن تمسح كل أحاديثنا، هنالك سيرة ذاتية سأكتبها ولكن دون خطوطكَ الدرامية..».
ما لم أعرفه جيداً أن الكتابة كثيراً ما تكون الحكم بين أعظم القضايا الإنسانية، خصوصاً في هذا الوقت الذي تغيب عنه ماهية القول الواقعي، والكتابة الحقة، ولعل تجربتي المتواضعة هذه هي التي تترك الاستنتاجات برسم القارئ كأنها مقترح في المشهد الفكري لجيلي.
غداً ستحتضنك بكين بمعاييرها التجارية البحتة، وسيظل سور الصين العظيم أقصر من ولهي بكِ، ستبيعين كل الخطوط المؤدية إليّ، وسأشتري كل الصمت المضحك على ماحدث، يا لنا من خراب مستديم، يا لها قلوبنا من بساتين شوكٍ لا تنتهي، ليست قسوة أو خيانة أو نهايات، إنها مجرد صورة لم أحمضها جيداً على أثير الليمون وبقيت في الدرج تنتظر الضوء الأحمر، ها هي بين يديكِ فافعلي ما شئتِ بها لقد تمتعت بها قليلاً..
