جريدة النهضة
عمر الشيخ
لم يترك موقع التواصل الاجتماعي الأشهر «فيسبوك» مكاناً إلا ودخل إليه، حتى الكتابة الأدبية، هذا ما نلاحظه في أجواء كتاب (عندما لم تقع الحرب)، قصيدة طويلة لرائد وحش (1981) الصادر حديثاً عن دار كاف الأردنية، والذي يأخذنا إلى عالم تجريبي من اللغة الشعرية المتداخلة في ارتجال الحالة الافتراضية المدونة للتو على حائط الشاعر في موقع فيسبوك، يخوض وحش محاولاته في إحالة النص الشعري إلى الكلام اليومي ولكن مع اشتغال بصري -أحياناً- على الجملة والصورة، ليحرص على أن تكون كل عباراته من ذات الأجواء الندائية التي يكتب بها نصه الطويل حول تخيله عدم وقوع الحرب المرتهن بتوتر الأزمة وأحوال الناس ولكن من وجهة نظره العاطفية، حيث يصف الحياة كيف تبدأ كأنها قيامة الصمت على اللغة وتفجر الآهات في دهاليز مشهد الحرب التي لم تقم بعد..
الحرب هنا تلعب دور الشاشة السينمائية التي يخطط الشاعر عليها السيناريوهات المتوقعة، فكل المشاهدات تشير إلى تغيّر جذري سيصيب البشر والجماد والحيوان، كلهم سيعيد حساباته كما يتخيلهم هنا الشاعر، فيلتقط اللحظة التي توشك على وقع الحدث وينقلها كما لو أنها خبر سريع على الفيسبوك: (تحدث الحرب قبل حدوثها على التلفزيون) (يفرح الأطفال بتعطيل المدارس ثم يبدؤون بالمرض من الحبس..) ثم يدخل الجدل حيز الحكاية، نحن نقرأ عن حرب لم تقع لكن المصور هنا يتخيل الوقوع واللاوقوع: (غداً سوف، يأتي ما سوف يأتي/ إلا الغدُ وحده، سيعلن الإضراب) كأنها ثورة وكأن الحرب في هويتها قتال على الوجود، كما لو أن الوجوه في كل الرقعة البشرية تناضل بحرب من نوع ما، حرب ضد العبودية: (أحدنا.. ذلك الذي نفذ سيناريو القصة سوف يصرخ:/ لا تمتلئ الشوارع بأحذية الموتى/ إلا كي يمشي الأحياء حفاة إلى الحرية).
تبدو قصيدة وحش المطولة تقمصاً لغوياً للسرد الشعري المتداخل في قص خيالي من أطراف مختلفة، حيث نراه أحياناً يخاطب حبيبته بلغة الغاضب المنتقم الدال على فوضى الحروب: (أخيراً تسنح فرصتي أمامكِ/ في الفوضى/ في الانفلات الأمني/ برصاصتي الأخيرة/ أقتل الرجل الذي أخذك مني/ ثم أطعنك بحربة البندقية) هذا المزاج الذي يظهر من وقت لآخر في القصيدة يحاول وحش من خلاله كسر حبكة القصة حتى لا تبدو قصة جافة، بل نصاً شعرياً فيه اللقطة الشعرية القصيرة، وفيه الرسائل النثرية، وفيه القصيدة المتسلسلة بأحداثها وتصعيدها، من جهة أخرى تغادر القصيدة إلى أمكنة ومعالم مختلفة أخرى ربما غير ما يعيشها الشاعر هنا في سورية، فنجده يستحضر الشاعر المصري أمل دنقل من قصيدته الشهيرة (الغرفة 8) ويجلس إلى جانبه في مرضه، كأن في ذلك كناية عن حدوث الثورة في مصر دون خسائر إقليمية وخراب يذكر، حيث نلاحظ هذه النبرة التحريضية على الرفض كما فعل دنقل في قصيدة لا تصالح، لكن وحش هنا يدمج بين أجواء دنقل وعبارة لكاتب مسرحي شهير: (لست أمل دنقل/ أنا الدم الحار الذي يرن في أوردتكم/ منذ قال بريخت: «لماذا صمت الشعراء») أما في العراق ينهض الشاعر بدر شاكر السياب في مقطع آخر، يصور فيه الشاعر رائد وحش العراق كأنه طفل ضائع كما هو الآن، لكنه يحضنه يبكيه ويرثي الحرب من خلال جراحه كما لو أنه الندم: (وجدت عراقي الصغير حملته وركضت به طائرةً ورقية فطيرني كطفل في السماء السمائية/ طارني.. طرته في الأثير السمائي/ كأنني السياب على الخليج أصرخ» يا واهب المحار والردى») هي الحرب هناك إذاً، حيث وقعت في الجوار، تلهم الشاعر الصمت من جديد وشكر الإله على عدم وقعها، إذ نجده من خلال هذه الحوارية بينه وبين حبيبته يبرر وحدته أمام سلامة الناس والمصير المجهول: (تقولين: مت تجيء الحرب حتى تعود حبيباً؟/ أقول ليتها لا تجيء فنبقى غرباء!/ تقولين: والحب الكبير!/ أقول يحتاج لحرب عالمية.. / تقولين: أشعلها إذا كنت تستطيع؟/ أقول: كوني ديناميتاً إذاَ.. ولحسابات عاطفية على الأرجح، / لا تقع الحرب).
رائد الذي يتهكم من جيله ومن تقنيات العصر، يرثي في حربه السرية مع الكلمات هذا الركود الموؤود لجيل الموبايل والإنترنت، والذي يعتبره مسخاً، لم يجرب حمل البندقية، ولم تلفعه كوفيات الثورة، ها هو اليوم يقيم حرباً إلكترونية في الألعاب فقط، وعلى المزاج الأميركي، حيث تصنع تلك التقنيات والألعاب: (نحن جيل الوهم، الضائع، الفاسق، المنسي.. / نحن الجيل المنيك/ المنفيون إلى قارة «فيس بوك»/ نخرج إله الحرب من سباته بزلزال الرسائل القصيرة: «يا مارس.. يا مارس.. الحقنا إلى الميدان») رغم ذلك لا تيئس محاولات وحش في تقصي منافذ الحلم ربما يأتي فجر من هنا، أو نيزك أمل من هناك، ولكن الخيبة بالمرصاد: (بنينا الحياة بلا هندسة أملاً بأن تهندسها السعادة، فهندستها/ حروب لم تقع).
معظم مقاطع القصيدة تظهر أن الشاعر في رغبة مستمرة لحدوث هزة ما، تغيير ما، معجزة تقلب الأرض وتؤجل السنة إلى السنة التالية، لأنه يثبت دائماً كما يقول إنه يحب من الطرق تلك التي شقتها الأقدام في الوعورة، وفي الأغاني يفضل تلك التي يتداخل فيها الرقص بالأسى، هو يحب الحرب حتى لو أزالته: (وأحب الحرب حتى لو أزالت ما أحب وأزالتني).
في نهاية النص يؤكد وحش لنا أنه يحلم إذا أشار إلى أن القيامة في طريقها إلينا كما بدأ (تبرق الحرب فوق، تحت، يمين، يسار) (يرميني الكابوس إلى الشوارع ولي هيئة نادبة) هكذا حتى يستيقظ واصلاً إلى أن كل شيء في الحياة مدعاة للحرب، وحتى الناس أنفسهم حرب: (صحوت محترقاً من موتي سمعتكم تهتفون: نحن الحرب.. نحن الحرب).
تعد تجربة الشاعر رائد وحش في (عندما لم تقع الحرب-2012) الثالثة له بعد (دم أبيض-2005) و(لا أحد يحلم كأحد-2008) وهو في هذا المزاج من الكتابة الشعرية لا يبتعد كثيراً عن أسلوبه في المجموعة الثانية، حيث العبارة المكثفة، واللقطة التلقائية التي يصبغها بروح الدعابة والحزن والتهكم في آن..
«عندما لم تقع الحرب» لرائد وحش هزات شعرية في كابوس طويل
0
