ربما تتصل الأمكنة بمن يجولون فيها، أو من يفعلون أشياءً هنا ويمضون، أخذت الأمكنة جوازات سفرها من الإنسان، وأشّرت على تذكرة تحولاتها كما يريد الناس، إذاً لماذا يصرّ البعض على إثقال هذه الأمكنة بما لا تتحمله من ذاكرة..؟ كلما تغيرت الأحداث دفعت الأمكنة فاتورة التغيرات في النص والمشكلة والقضايا الجدلية، كأن المكان هو بوصلة التحريك لما يدور في فضاء العقل البشري..!
المكان هو مكان فقط، الناس هم من يغيّرون دمه، وهم من يصنعون ألقه أو هبوطه في لحظة تداخلهم بتفاصيله، لا يمكن أن يصبح للمكان عجز وفتوحات ما لم تكن طاقة سكانه الإيجابية متفوقة على الدفق الكبير للطاقة السلبية القادمة من الأجهزة الكهربائية وتقنيات العصر، كلما ازدحمت الأمكنة بالجماد والتفاصيل الأخرى كلما قتلت نكهتها وعبورها العاطفي الأنيق.
ليس هنالك أجمل من عائلة صغيرة تحت ضوء حديقة «السبكي» تُجلس أطفالها وتستنشق هواء المدينة رغم كل هذا التعب المحيط بها، هذه حياة، وليس للمكان معنى ما لم تكن هذه الأسرة أو غيرها قد جعلوا منها إيقاعاً ممتعاً لأوقاتهم واهتماماتهم كافة.
في الأدب احتل المكان مساحة مرموقة في المديح الشعري الروائي والسينمائي، وكانت تفاصيله هي الحدث وهي الفكرة، لكن المعنى كان دائماً في غياب ملغوم، كل متلقٍ يفسر المكان حسب ثقافته، وقد لا تتسع كل التفاسير لأمكنة مشهورة سبق وأن خلّدها الأدب كالساحات والمسارح وبيوت الأدباء والفنانين والمشاهير، إلا أن تلك الأمكنة ليست المقصودة بعينها، نحن نناقش فكرة المكان كمادة للتناول اليومي في الكتابة والفن والحديث المختلف وتعقيدات الذاكرة، كلما ضعفت شخصية الكائن وقدراته الفنية في تجسيد المعنى وترميزه، كلما أغرقه المكان والجغرافية في دوامة الهبوط والتميز الإبداعي في المكاشفات الإنسانية.
أضحكتني جداً أغاني الأماكن التي سمعتها من مطربين عرب، وأضحكتني أكثر حالة اللطم على المكان بوصفه استمراراً لسعادة الكائن وإحياء مشوّه لماضيه المقتول أساساً، لا أسخر من الحنين إطلاقاً، لكنني أجده مفرغاً من قوته وحساسيته حين يلتصق بالأمكنة فقط! المسألة ليست أحجاراً مرّ عليها أناس نقدسهم، الصور أكثر صدقاً من قول الشعر في أمكنة فقدت معناها برحيل المؤثرين فيها، القائمين على عناق قلوبنا..
حين نترك جوهر الإنسان ونبحث عن قراءة مفصلة لأشيائه، فإننا نقتل إنسانية الإنسان، لأننا نهجر بساطة حضوره، وخصوصية عواطفه، ونبرة صوته المرتجف، ليس هنالك أبسط من النظرة والواصل الحقيقي مع الكائن الذي نريد، الجماد لا يمكن أن يقدم شيئاً سوى الصمت المقيت، والميتافيزيقا في الشعر أيضاً دمّرت معظم لحظات انجذابه إلى الحقيقة، لا إلى الماورائيات.
هذا المكان الذي أكتب منه زاويتي هذه أنتمي إليه بتفاصيل، وأصنعه بمزاجي، سوف يأتي أناس بعدي يهندسون ديكوره كما يريدون، هذا لا يعني أنني لم أكن موجوداً هنا..! أنا كنت.. وأنا فعلت.. وفي هذا المكان جرّبت، نعم جرّبت أن أكتب شيئاً يخصني كإنسان عن الأمكنة ولوثتها القاتلة، بعد أن توقفت منذ فترة أنا وصديق في إحدى الليالي أمام المتحف الوطني بدمشق، فتذكر أيام الجامعة وبكى كما لو أنه لم يبكِ من قبل..
سأمضي من هنا يوماً ما، وسيكون مكاني لغيري، لكنني سأقدم كل ما أستطيع من طاقة إيجابية لمن حولي لأنني أنا هكذا مجرد أمل، لا تعنيني الأمكنة، حتى لو كانت كئيبة ومعتمة بعض الشيء رطبة أو ربما كان لي فيها ذكريات مع صديق مضى منذ أيام..!
الأمكنة برسم البيع دائماً، لكن البشر لا يمكن شراؤهم، والقلوب الطيبة لا يمكن أن تتحول إلى مشاهدات مستمرة عن الشر والحقد والكآبة المملة، على البشاعة أن تمضي من هنا، من كل زاوية وفكرة وكلمة وصوت، هذا المكان للأمل والشعر والأصدقاء والضوء النوراني الذي يشع من الضحكات اليومية التي تنعش كيانه من الإسمنت إلى الحياة..
هذا المكان..!
0
