عمر الشيخ
تقريباً كنت أشاهده في كل العروض المسرحية التي تابعتها في دمشق، كان عملاق الجثة، يجلس وإلى جانبه حقيبة مع أصدقاء، في كل مرة يحضر فيها عرضاً مسرحياً يبدأ تنكيته الفوقي وسخريته من العرض بعد دقائق من بدايته، في حين يفصفص البزر ويناغش إحداهن، أستمر بمراقبة سلوكه فأنسى العرض وأعود مرة أخرى لحضوره، لم يكن يشغلني بقدر ما كان يعتبر أن كل ما يقدم على خشبة المسرح في الآونة الأخيرة هو (نفايات) كما يقول، على الرغم من أنه درس الإخراج المسرحي والنقد في فرنسا، وهو يدرّس في المعهد العالي للفنون المسرحية، وله تجارب غنية في دعم مساهمات الشباب والتنظير المستمر لمّا يقدم عموماً، وللمحترفين خصوصاً، لا أدري ماذا أصاب الرجل، بات كالزعران يقتحم المسارح ساخراً متهكماً دون أن يبرر سبب ازدرائه المبالغ ذاك..
هذا الدكتور الظاهرة التاريخية التي تعيق برأيي مشروع النقد نفسه، حين يعبر عن أي عرض يشاهده أو مسرحية يقرأها لأحد بـ(حلوة.. أو علاك.. أو بينشغل عليه) هل هذه هي اللغة التحليلية التي أتحفتنا بها معاهد باريس المسرحية حتى يأتي هذا الدكتور صاحب الشأن النقدي والحضور المختلف ليقهقه في هذا العرض ساخراً من شخص ذاك المخرج، أو مقللاً من شأن هذا الممثل..!
بالقرب من الشخصنة، يمثل دكتور المسرح والصحفي الكاتب والناقد، الناشر والمسؤول الثقافي، أغلبهم يمارس مهزلة الإلغاء التام للأصوات المحيطة، إما من خلال الشتائم، أو السخرية الفارغة، رغم يقين الأغلبية أن مثل ردات الفعل تلك لا تجدي نفعاً ولا تصنع ثقافة، والسؤال هنا ما هو السجال المثمر من كل ذلك؟
ربما لم يبحث أحد عن ذلك إلا على المستوى الضيق والمقتصر على المعارف، وهنا تلعب شبكات العلاقات دوراً مهماً في نشر ثقافة تبادل الآراء، المسألة ليست تشاؤماً أو تفاؤلاً هنالك مشهد ينهار بشدة في هذه الأوضاع، اسمه المشهد الثقافي الفني الأدبي، هو الخميرة الوحيدة التي يمكن أن نقف على أسسها جميعاً وهذا أبسط ما يمكن من دور فعلي للجيل المقبل، عوضاً عن ظاهرة القهقهة الوضيعة في مقاعد العرض المسرحي التي يتبهرج فيها ذاك الناقد، هاهو يمارس دور الناس العابرين الذين لا دور لهم سوى أن يراكموا ويتعلموا، ترى كيف يدرس في معهد وحيد ومهم كالمعهد العالي للفنون المسرحية وهو في أغلب أوقاته لا يكمل ربع الساعة الأول من العروض المسرحية التي قد لا تعجبه لكنها تحتاج لقلمه وفكره حتى تشرح للناس لماذا يفكر هكذا، وما وجه الخلاف في الفكر المسرحي؟ وماذا يجب أن تضيف مسؤوليته كناقد للمشهد المسرحي..
شخصياً لا أهتم إلى ضرورة كتابته أساساً عن أي عرض مسرحي أو أي شيء، لكني أقترح فقط أن يلتزم الصمت احتراماً للفن، أن يتعامل مع هذا المنتج الإبداعي -بغض النظر عن مستواه- على أنه حاضر ويجذب جمهوراً ويحتمل النقاش والجدل وإلا لماذا يحضره أساساً، ربما كي يضحك صديقة أو طالباً من طلابه أن ما يبكروه هو فقط، يمكن أن يصلح للخشبة، ترى من أين يمكن أن نستورد احتراماً لما يظهر من محاولات إبداعية في الفن والأدب، القراءة حتى النهاية، يمكن أن تضع الرأي في مكان منطقي وموضوعي، إذاً هل نهز كروشنا ومن الضحك على عرض مسرحي هزيلة، أم نكتب عن سبب هزالته وضعفه؟ لا أود أن ألعب دور الناصح، لكن هذا المشهد مسيء للغاية لجناب الدكتور وللمشتغلين في هذا الحقل العظيم المسمى (مسرحاً)..
كلما ازداد المشهد الفكري الآن انفصاماً وتخلفاً، شدت القامات المشتغلة فيه صغاراً وكباراً بالسن، العزم للهبوط أكثر، الكل يغني بوادٍ، والنقد يقف على الهامش مثل كذبة نيسان ينتظر هبة أخيرة للشتاء لعله ينفض الأوراق الصفراء والمدائحية عن النتاج الأخطر الذي ينتج من أكثر من عام ونصف وليس هنالك من متابعة دقيقة له، إلا إذا اعتبرنا أن كل (دكاترة) النقد من صف دكتورنا المسرحي الفذ…!
