صراعات الشبكة

عمر الشيخ

اختزلت أغلب المشاكل في الوسط الثقافي السوري وتحولت إلى مناوشات ودية وأخرى شرسة على صفحات المواقع الإلكترونية، وباتت الكتابة الجدية والسجال الفكري مجرد هراء، فقط يكفي أن يترك أحدهم جملة في الفيسبوك أو صورة ما، حتى تنهال عليه الشتائم أو الانتقادات بسبب تصوره المختلف عن الآخرين فيما يخص تصوره لأشياء فكرية أو اهتمامات شخصية، ببساطة تحول أرشيف الرسائل بين الأصدقاء إلى توثيق حماقات تقدم حين تنتهي صلاحية الشخص، كأن بازار الصدق اقتصر على النزاع الشخصي والمصالح المباشرة التي باتت تدجن الجميع دون استثناء.
بينما تخرق شبكات الإنترنت، التواصل الحقيقي بين الناس، تنبت للوحشة أجنحة وتطير فوق رؤوس البشر لترمي بسحرها على الأرواح المعزولة، تنوس عيني النديم، ويمل منك ومن أفكارك فوراً، بسبب اعتياده على المسنجر أفضل..! وتتحول إشكالياتك في الحداثة إلى تصفية حسابات على حساب المعرفة المتبادلة، تتراكم الأخطاء حتى تنفجر في لحظة نخسر فيها كل شيء، بينما يزداد صراع الشبكة على الحسابات الجديدة التي أنشأها أصدقاؤنا هرباً من المجهولين، أو كمحاولة للبحث عن صفحة جديدة وكلام جديد وبداية مختلفة.
لا أرثي التكنولوجيا، ولا أرثي المثقف السوري الذي وجد فيها مساحات مختلفة لتفكيك عقده الفكرية والاجتماعية، بالعكس تماماً، أنا أرفع القبعة لهذه الصراعات التي كشفت معادن الآخرين وأبرزت مدى فهمه الضيق للآخر، ومدى إصرارهم أن (الآخر جحيم) كما يقول سارتر، ها نحن بعد عقود على رحيل هذا الفيلسوف، ندخل الحصص الدرسية للحذر من الآخر، واليوم إذ تؤسس الأزمة الكبيرة في المجتمع لهذا الفضاء الخصب للنزاعات المستحيلة، ربما أرثي الإنسانية والقيم الجوفاء التي كنا نكتب عنها ونتحدث فيها خلال جلستنا مع الأصدقاء أو عبر الإنترنت اللعين..!
من جديد نحن بحاجة لعزلة أسطورية، لإعادة اكتشاف الذات، هول الضغط المالي والنفسي والاجتماعي، يرغمنا على الانشغال بالآخرين، لنقول: تباً لنا ماذا سنفعل لو ذهبوا..؟ وبكل بساطة يجيبك القدر: ستمضي مثلهم دون أن تترك شيئاً..!
مؤخراً أتحفني صديق من الشبكة الاجتماعية بشتائمه على الوسط الثقافي، الذي اعتبره كعصابة مافية، بعد أن همشوه في عدة مناسبات، انعكست أحقاد صديقي الافتراضي إلى شلال من الشتائم على الجميع، ليظهر وسط الزحام مضطهداً ومغلوباً على أمره.. فقلت له: ابق على كتابتك لك، ولا تنشر على الفيسبوك منتظراً قيماً نقدية من فلان وعلان، اكتب ومزق اكتب واختزل، المهم أن الشبكة لن تصنع لك معرفة وإضافة، هذه الراهنية القصيرة للتسلية فقط، دع عنك هذا الجنون، دع عنك مضيعة الوقت تلك، الذين ظهروا في الماضي لم يستخدموا كل هذا الزخم من التكنولوجيا ليكونوا ما يريدون، لن تنفعك وزارة الثقافة بمكتباتها العظيمة، ما لم تتواصل معها بشكل مستمر رغم أنف الموظف الفاسد الذي يمنعك من استعارة الكتب، حاول مجدداً أن تأخذ حقك في القراءة والمعرفة من كل روافد هذه المؤسسة فهذا من حقك وحقنا جميعاً..
لا أدري ربما حرضني هذا الصراع الصغير على تدوين تلك الملاحظات لأسأل من جديد: هل نحن نحتاج فعلاً للهوية الثقافية؟ أم أن تلك الخرافة مضت مع ظهور وتقدم الشبكات الاجتماعية؟ ثم هل ساهمت وزارة الثقافة بالاستفادة من هذه الشبكات فعلاً للتواصل مع هموم المثقفين وإيجاد حلول لها؟
في الدول المتقدمة لعبت شبكات التواصل دوراً مهماً في تطوير الفكر والتقنيات الحاسوبية والحضارة المعرفية وحلول المشكلات، لأن المسؤول يتواصل مباشرةً مع الأشخاص الذي يفترض به مساعدتهم من موقع مسؤوليته، لكن هذا التطور لم يصل بعد إلى هنا ولا زال الفساد عائقاً بين مسؤول الثقافة في الجهة الرسمية والمهتمين بالشؤون الثقافية، تماماً كما يحدث في مطبوعة محلية أو مركز ثقافي أو موقع إلكتروني أو محطة تلفزيونية..

أضف تعليق